هل السلطة الفلسطينية شريكة في ارتكاب مجزرة جنين؟

المجزرة البشعة التي ارتكبها جيش الاحتلال الصهيوني فجر الاثنين الماضي في مدينة جنين شمال الضفة المحتلة، والتي قتل خلالها بدم بارد أربعة من الشباب الفلسطيني الذي ارتقوا شهداء أثارت العديد من التساؤلات حول الدور الأمني الذي تقوم به الأجهزة الأمنية الفلسطينية في الضفة المحتلة، والذي يعتمد على قيام السلطة الفلسطينية بتسليم معلومات أمنية حول الناشطين والمقاومين الفلسطينيين ليقوم جيش الاحتلال باعتقالهم أو تصفيتهم من خلال فرق المستعربين في وقت لاحق كما حدث مع الأسير الفلسطيني منتصر شلبي، والذي كشفت قناة "كان" العبرية قبل أيام أن جهاز الأمن الوقائي الفلسطيني سيئ الصيت هو من أرشد جيش الاحتلال إلى مكان اختباء شلبي بعد تنفيذه عملية بطولية على حاجز زعترة جنوب مدينة نابلس المحتلة.

التنسيق الأمني مع الاحتلال يشمل إضافة إلى تبادل المعلومات الأمنية، عملية التنسيق الميداني مع جيش الاحتلال خلال اقتحام عرباته العسكرية، وفرق مستعربيه المتخفية بالزي الفلسطيني المدن والبلدات الفلسطينية في الضفة المحتلة، حيث اعتادت الأجهزة الأمنية الانسحاب قبيل أية عملية اقتحام عسكرية إسرائيلية، ما يعني عملياً توفير دعم معنوي لجيش الاحتلال بضمان عدم حدوث اشتباكات مفاجئة بين أفراد الأجهزة الأمنية الفلسطينية وجيش الاحتلال كما حدث في مدينة جنين في العاشر من يونية الماضي، حين أسفرت الاشتباكات عن استشهاد عنصريين من الاستخبارات العسكرية الفلسطينية.

المفارقة أن سلطة رام الله التي لطالما افتخر رئيسها بتقديس التنسيق الأمني مع الاحتلال، والتي تتيح أجهزتها الأمنية لجيش الاحتلال حرية اقتحام المدن الفلسطينية وقتل الفلسطينيين، وهدم بيوتهم، نراها في صورة مناقضة وهي تلاحق أنصار المقاومة في الضفة، وتكبت الحريات، وتسحل الفتيات الفلسطينيات في الشوارع والطرقات، وتعتقل وتغتال الناشطين المؤثرين في الشارع الفلسطيني بدم بارد أمثال الشهيد نزار بنات.

المُحزن في المشهد الميداني أن الأجهزة الأمنية التابعة لعباس توفر حماية أمنية مشددة لجنود الاحتلال ومستوطنيه الذين يضلون طريقهم أحياناً داخل المدن والمخيمات الفلسطينية، في حين أن ذات الأجهزة الأمنية تتخلى طوعاً عن دورها الوطني في حماية أبناء شعبها حين يعتدي المستوطنون على الفلسطينيين وممتلكاتهم، ويحرقون مزروعاتهم في الضفة، وهي مشاهد تتكرر يومياً أمام شاشات التلفاز دون أن تحرك الأجهزة الأمنية ساكناً، وكأن الأمر لا يعنيها من قريب أو بعيد.

في المقابل تعكف سلطة رام الله على إصدار بيانات شجب واستنكار لامتصاص الغضب الفلسطيني مع كل اعتداء يقوم به الاحتلال، دون أن تقوم بدور فاعل وحقيقي لملاحقة قادة الاحتلال في المحافل والمنظمات الدولية، أو محكمة الجنايات الدولية، أو حتى دون أن تكلف خارجيتها وسفاراتها في الخارج عناء تفعيل الدور الدبلوماسي الشعبي للجاليات الفلسطينية التي تستطيع تشكيل قُوى ضغط تحاصر الاحتلال سياسياً، وتلاحقه قانونياً.

المجزرة التي ارتكبها جيش الاحتلال في جنين تأتي بعد زيارة مدير الاستخبارات الأمريكية لمقر المقاطعة في رام الله، في إطار تعزيز التنسيق الأمني بين السلطة وجيش الاحتلال لمكافحة الإرهاب، والتي يُقصد بها عملياً منع كافة أشكال المقاومة بما فيها التظاهرات السلمية ضد الاحتلال في الضفة المحتلة، وهي زيارة تأتي في ظل مخاوف من انهيار السلطة التي باتت تفتقد لأية حاضنة شعبية فلسطينية داخلية.

سلطة رام الله التي تمتلك عشرات الألوف من المجندين والأسلحة، والتي تركت أهالي بيتا جنوب نابلس يدافعون بأجسادهم العارية، وأدواتهم البدائية عن جبل صبيح لأكثر من مئة يوم متواصلة دون كلل أو ملل، لم تعد تهتم بحماية الشعب الفلسطيني، وليس على قائمة أولوياتها تصعيد المواجهة مع الاحتلال رفضا لتهويد القدس، وتصاعد اقتحامات المستوطنين يومياً لباحات المسجد الأقصى، ولا يبدو عملياً أنها تولي اهتماماً كبيراً لمحاربة تفشي الاستيطان الذي جعل المدن والبلدات الفلسطينية مجرد كانتونات منعزلة عن بعضها البعض في الضفة المحتلة، ولم تعد تلك السلطة تتحدث ولو شكلياً عن ضرورة إتمام المصالحة الفلسطينية وإنهاء الانقسام، فهي منشغلة بعقد لقاءات حميمية تطبيعية متواصلة مع المحتلين الصهاينة، في خطوة تتناقض مع إرادة الكل الفلسطيني، منحت خلالها سلطة عباس مسوغاً إعلامياً لأنظمة التطبيع العربي، يساعدها على تعزيز تحالفها المشين مع الاحتلال، ومهاجمة الشعب الفلسطيني، وتاريخه النضالي، وتسفيه الحق الفلسطيني والقضية الفلسطينية العادلة.

أختم بالقول وأنا أترحم على شهداء جنين الأبطال، بأن الدور الأمني الذي تقوم به الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية، يضعها في قائمة الشبهات حول المشاركة المباشرة في جريمة جنين، كما أن تلك السلطة التي تحتكر التمثيل الفلسطيني أمام المجتمعات العربية والغربية، لم تعد تمتلك بواقعها السياسي الهزيل، ودورها الأمني الشاذ أية شرعية قانونية، أو حاضنة شعبية فلسطينية، فجميع الأحداث والشواهد باتت تؤكد بأن استمرار وجود تلك السلطة في شكلها الحالي بات رغبة إسرائيلية أمريكية، تحقق مصالح الاحتلال وتتناقض مع المشروع الوطني الفلسطيني.