المسجد الإبراهيمي قبل التهويد الكامل

منذ عدة أيام شرعت سلطات الاحتلال في تنفيذ مشروع تهويدي جديد بمحيط المسجد الإبراهيمي في مدينة الخليل، الهدف الظاهر منه بناء مصعد يسهل اقتحام المستوطنين للمسجد، وسيتضمن البناء الاستيلاء على نحو 300 متر مربع من ساحات المسجد ومرافقه، لكن المشروع يصب في هدف التهويد الكامل للمسجد، وجعله مكانًا يهوديًّا خالصًا، والسيطرة على أكبر قدر ممكن من المساحات والعقارات المحيطة به.

عمليًّا كانت وستظلّ مشكلة الخليل مع التهويد مستعصية، وسببها الأساسي وجود حي يهودي في قلبها، تمدد مع الاستيلاء على عقارات عديدة للفلسطينيين في البلدة القديمة في الخليل، حيث يقع المسجد الإبراهيمي، وبسبب هذا الوجود اليهودي داخل الخليل كانت اتفاقية الخليل الكارثية عام 1997م المنبثقة من اتفاقية أوسلو، وقُسّمت الخليل بموجبها إلى منطقتين الأولى خاضعة للسيطرة الفلسطينية، والثانية للسيطرة الإسرائيلية، وتضم أجزاء واسعة من جنوبي وشرقي المدينة، وفيها منطقة المسجد الإبراهيمي.

الاتفاقية نصّت على إعادة فتح شارع الشهداء في المدينة، المغلق والمسيطر عليه من قوات الاحتلال، لكن الاحتلال لم ينفّذ أيًّا من نصوصها المترتبة عليه، بل استغل الاتفاقية ليمدد التهويد في المدينة ويجعله عاملًا طاردًا للوجود الفلسطيني من المنطقة الجنوبية، بعمليات تضييق ممنهجة على الوجود الفلسطيني فيها، بدأت منذ مجزرة المسجد الإبراهيمي عام 1994م حين قسم المسجد زمانيًّا ومكانيًّا بين المستوطنين اليهود والمسلمين، لكنّ واقع المسجد الحالي يقول إنه قد اقترب من أن يصبح مكانًا يهوديًّا خالصًا، فمحيط المسجد بساحاته ومداخله والمناطق الفلسطينية المجاورة له يعدّ ثكنة عسكرية محصنة ومقطعة بعدد من الحواجز ونقاط التفتيش، ولا يتاح للفلسطينيين الوصول إلى تلك المنطقة بسياراتهم، ورحلات المستوطنين لا تتوقف إليه، إذ إن ساحات المسجد مخصصة للمستوطنين، ويسمع من يتاح له الوصول إلى تلك المنطقة عبارات العنصرية، والتحريض على قتل العرب من صغار المستوطنين قبل كبارهم.

معروف أن مشروع الاحتلال الصهيوني في أساسه أُسس في جانبه المعنوي على خرافة دينية لا أصل لها، تدعي أحقيته في أرض فلسطين، واستمرار هذا المشروع سيظلّ مرتبطًا بالحاجة إلى السيطرة على الأماكن الدينية الإسلامية في فلسطين، خصوصًا ذات الرمزية العالية، كالمسجد الأقصى والمسجد الإبراهيمي، وهو ما يعني أن الصراع على هذه الأماكن وجودي ومفصلي، ويتطلب جهدًا عاليًا واستثنائيًّا نابعًا من إدراك حقيقة المخاطر التي تتهدد هذه الأماكن المقدسة.

الخليل اليوم أمام تحدٍّ كبير، ومفرق طرق، إما التصدي لهذا المشروع بكل امتداداته وأبعاده، بتضافر الجهود وتعبئة الناس، وتهيئة الظروف، للتصدي له، وإما تجاهل ما يجري، ثم الاضطرار إلى مواجهة واقع مرير، يخسر فيه المسلمون مسجدهم، ويغزو التهويد كل منطقته الحيوية الواسعة، ثم يضطر ما تبقى من الفلسطينيين فيها إلى مغادرة منازلهم وممتلكاتهم تحت ضغط تمدد الاستيطان، وشراسة اعتداءات المستوطنين على من تبقى من سكان تلك المنطقة.

صحيح أن التحدي كبير ويكاد يتجاوز طاقة الجمهور والفصائل بإمكاناتهم المحدودة، لكن قلب معادلة تصعيب الحياة ممكن، أي الاتجاه نحو تصعيب حياة المستوطنين هناك بدل ترك المجال لهم لتصعيب حياة الفلسطينيين، ومتى أحسّ المستوطن الدخيل أن حياته يعوزها الأمن والاستقرار، فستعلو لديه أولوية الأمان على الخرافة الدينية الموهومة، ولعلّ السبيل إلى تأسيس تلك المعادلة الجديدة ليس صعبًا ولا مستحيلًا، لكنه يحتاج إلى إرادة ومبادرة، تعلّق الجرس وتستحث الحركة في أوصال الجمهور، وتوجّه بوصلة دافعيته إلى مسارها الصحيح.