جابوتنسكي والحائط الحديدي أمام العرب

 

تعتمد الإستراتيجية الإسرائيلية في ردع العرب على فلسفة المتطرف الصهيوني جابوتنسكي، الذي اشتق مفهومه في ردع العرب من الكتب التاريخية والعقائدية للصهاينة، وقد رسمت لهم معالم الطريق المستند إلى الحائط الحديدي، الذي سيهزم الأعداء بعد أن يرعبهم، ويجبرهم على الاستجابة للمطالب الإسرائيلية.

تقوم فكرة جابوتنسكي على أن الشعوب الحية لا تقدم تنازلات في القضايا المصيرية إلا إذا فقدوا الأمل، واصطدموا بالحائط الحديدي الذي لا ثقب فيه، ولا يمكن اختراقه، والمقصود بالحائط الحديدي هو تلك القوة الإسرائيلية التي تفرض على العرب القناعة أنها لا تقهر، وأن الإسرائيليين عنيدون كالصخر، ولا يتزحزحون عن مواقفهم، وأن كلمتهم هي العليا دائماً، وأن لديهم إصرارا لا ينكسر، بل هم قادرون على كسر إرادة الشعوب العربية، هذا هو الحائط الحديدي الذي يجب أن يصطدم فيه العرب، وأن يقتنعوا أنهم يضربون رؤوسهم في الصخر، عندها فقط، تنكسر الإرادة العربية المتشددة، ويتخلى المتطرفون منهم عن شعاراتهم، ويفقدون سحرهم، لتنتقل قيادة العرب إلى الجماعات المعتدلة، وهي جاهزة لتقديم تنازلات.

وحتى زمن قريب نجحت فكرة الحائط الحديدي في كسر إرادة الكثير من الأنظمة العربية، ونجحت فكرة الحائط الحديدي في فتح الطريق أمام القيادات المعتدلة ـ التي تدعي الواقعية والعقلانية ـ  وكانت النتيجة أن سادت فكرة (اليد التي لا تقدر عليها بوسها)، وأن العدو الإسرائيلي لا يقاتلنا وحده، وإنما تقف من خلفه أمريكا، وقدرات أمريكا، وأن لدى العدو الإسرائيلي سلاحا نوويا سيستخدمه إذا اضطر إلى خيار شمشون، وهكذا تم تعميم الكثير من المعادلات السياسية المهزومة، وساد منطق انتزاع أي شيء أفضل من انتظار لا شيء.

ظل منطق الحائط الحديدي الإسرائيلي هو السائد في الساحة العربية والفلسطينية حتى انبرت غزة ورجالها يقاتلون العدو الإسرائيلي بشكل عنيد، أو بمعنى أدق، رفعت غزة شعار الحائط الحديدي ـ بالمفهوم الفلسطيني ـ في وجه الغطرسة الإسرائيلية، لتنقلب المعادلة، فإذا برجال المقاومة في غزة لا ينهزمون، ولا ينكسرون، ولا يرفعون راية بيضاء، ولا يتخلون عن سلاحهم، ولا يتركون مواقعهم، ولا يتراجعون عن أهدافهم، ولا تلهيهم تجارة أو مكاسب عن عشق الوطن، ولا يرد في حساباتهم فكرة الاندحار، أو عدم الانتصار.

الحائط الحديدي الذي أقامته غزة بصمودها كسر هيبة دولة العدو الإسرائيلي، وأسقط شعار الردع، حتى صار الخبراء الإسرائيليون، ومراكز الأبحاث في كل المجالات يقدمون النصائح والإرشاد للقادة السياسيين والعسكريين، عبر الصحافة الإسرائيلية، التي ألخصها في الآتي:

على (إسرائيل) أن تبني قدرات عسكرية تمكِّنها من توجيه ضربة مفاجئة ومتعددة الأبعاد إلى الذراع العسكري لحماس، في التوقيت والمكان اللذين تختارهما، والإنجاز المطلوب بهذه الخطوة هو توجيه ضربة قاسية يتردد صداها بالمنطقة، وتعمل على ردع المحور المقاوم، وتبقى آثارها محفورة في الوعي العربي، وتعمل على ترميم حالة الردع الإسرائيلي المتهالك أمام حماس، وتعمل على إحباط التهديد المتصاعد الذي تضعه حركة حماس في مناطق الضفة الغربية على حساب السلطة الفلسطينية.

كان لمعركة سيف القدس فضل كبير في إقامة الحائط الحديدي الفلسطيني، إنه حائط أصم، فرض على العدو الإسرائيلي الاعتراف بالحقائق العنيدة، والعمل السريع على ترميم حالة الردع الإسرائيلية التي تآكلت، بما في ذلك التفكير جدياً بتوجيه ضربة مفاجئة لغزة، ضربة مفاجئة تهدف إلى إخافة العرب أولاً، وفرض الهيبة الإسرائيلية على المنطقة كلها، ومن ثم التخلص من نموذج غزة المقاوم الذي يهدد سلطة محمود عباس في الضفة الغربية.

المصدر / فلسطين أون لاين