إلى الملأ الأعلى

أحمد جبريل.. بين يازور وأووزو

رحم الله أبا جهاد.. ثلاثة وثلاثون عامًا – بالحساب العادي – قضاها المجاهد البطل، في سبيل الوطن والأمة، والحق والكرامة .. قضاها بكل الصدق والإيمان لا يأبه لغير الوفاء طريقا.

كان يمكن أن يعيش حياة الترف والنعيم، بعيدا عن الشقاء والمتاعب ...

من " يازور – قضاء يافا " ، حيث كان المرحوم والده أحد وجهائها الكبار، وكان صهراً لعائلة " العسلي " من أكابر أهل العز والحكم في سوريا، في ثلاثينيات القرن العشرين المنصرم ، وقد كان وحيد أسرته من الذكور، وهكذا كان منعما مدللا لدى عائلته الميسورة، بالمال والعز والجاه.

ولعل عقابيل ثورة القسام آنئذ قد أرضعته لبان الثورة والنضال، في عشريته الأولى التي كانت تعج بالأحداث الجسام، على ثرى فلسطين، نارا حامية ضد الإنكليز والعصابات الصهيونية، التي استهدفت فلسطين منذ وعد بلفور عام 1917، لأجل تأسيس وطن لليهود فيها ....

مرحلة الشتات

وإذ تنتهي " حفلة " الصراع بين العصابات الصهيونية والجيوش العربية بالهزيمة المذلة عام 1948، جاء الشتات الفلسطيني على غير موعد، لتضطر عائلة الفقيد "أبو أحمد جبريل" للتوجه إلى القنيطرة (عروس الجولان )، لتبدأ حياة شتات طال مداه ، كما شأن نحو 800 ألف مشتت، أجبروا على مغادرة نحو 400 قرية ومدينة في فلسطين، ليتوزعوا على مخيمات وملاجئ هنا وهناك، في لبنان وسوريا والعراق وشرق الأردن، وفيما تبقى من أرض فلسطين (الضفة الغربية وغزة )، وإلى الشتات البعيد أيضا ...

أما وأن الجو السياسي في هذه الفترة من الحياة في سوريا، قد اعتبر أبناء فلسطين جزءا لا يتجزأ من الشعب العربي السوري في جنوب سوريا أي (فلسطين )، فقد ضمن الدستور السوري لعام 1951 للفلسطينيين اللاجئين إليها حقوقا مساوية لحقوق السوريين في شتى مناحي الحياة، ولا سيما في النواحي الاجتماعية، مع الاحتفاظ بالجنسية والانتماء لفلسطين ....

هنا ، تاقت نفس الشاب أحمد جبريل، الممتلئة قهرا أن يلتحق بالسلك العسكري ليكون في طليعة العمل الجهادي، لاستعادة فلسطينهِ التي ما أنسته إياها " الجنسية السورية " التي كان يحملها ....!

هنا استبد به الوازع الوطني، والتحق بالكلية الحربية في القاهرة، رغم عدم رضا والدته عن التحاقه بسلك العسكرية، لكونه وحيدها كما ذكرنا، لهذا ذهب إلى القاهرة حتى يكون بمنأى عن تأثير والدته وآل العسلي ليدرس في الكلية الحربية في حمص.

ولدى تخرجه ضابطا 1959 عاد إلى دمشق والتحق بالجيش العربي السوري، برتبة ملازم، والآمال تعتمل في تفكيره، ليقدم شيئا يقربه من فلسطينه الحبيبة. فما كان منه إلا أن أسس تنظيما عسكريا سماه (جبهة التحرير الفلسطينية) إيمانا منه بأن الكفاح المسلح هو الطريق الأمثل لتحرير فلسطين، بعيدا عن الهرطقات واللف والدوران، الذي كان سائدا آنذاك.. وكان من بواكير منجزات تنظيمه هذا تفجير " نفق عيلبون " في الجليل الأعلى، في حين أخذ يبحث عن مزيد من الرفاق على هذا الشجن، بغية تكبير الصف، وحشد الإمكانات والطاقات، التي تتطلبها معركة المصير، وهكذا راح في بحثه إلى أقصى اليمين، وأقصى اليسار، فلسطينيا وعربيا وإسلاميا، على شتى الملل والنحل، بكل شفافية وإخلاص.

في هذا السياق التقى وانتظم مع ياسر عرفات، ومع جورج حسن رحمهما الله، ومع آخرين على الساحة الفلسطينية والشتات العربي والفلسطيني، على إيقاع المقاومة وقعقعة السلاح، وبعيدا عن التوهان والزوغان، ما أخذ به عام 1968 إلى إعلان " الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة " التي انطلقت من دمشق العاصمة السورية، التي وفرت الملاذ الآمن والشريك للعمل الفلسطيني المقاوم، في ذلك الحين، وفي كل حين... هذا ما آمن به أحمد جبريل في اختياره لأفضل ساحات وأجواء العمل من أجل فلسطين.

يا خيل الله اركبي

إن خريطة الطريق التي خطها أحمد جبريل ارتكزت على أن قضية فلسطين بمقدار ما هي فلسطينية فهي عربية وإسلامية وإنسانية، وقد رأى أن يضم تنظيمه مختلف الطاقات من تلك الساحات.

لقد جمَّد نشاط الجبهة عام 1984 مع منظمة التحرير، بعد أن رأى تلطيها في متاهات أودت بميثاقها، ومنطلقاتها بهدف تحرير فلسطين.

وقد كان من منطلق إيمانه بعروبة القضية تنفيذ عملية "قبية"، عملية الطائرات الشراعية عام 1987، فقد وَزَّعَ مهام العملية على ثلاثة أبطال من فلسطين وسوريا وتونس، فكانت عملية نوعية بكل المقاييس، لم تعرف المقاومة لها مثيلا، أوقعت في صفوف العدو العديد من القتلى والجرحى.. كما اعُتبرت عمليات تبادل الأسرى مع الكيان الصهيوني عمليات استثنائية، أفْرَغَت السجون الإسرائيلية من كل الأسرى، من مختلف التنظيمات الفلسطينية وحتى أوكوموتو من منظمة الجيش الأحمر الياباني، ودون تلكؤ أو إبطاء كان الفقيد أول من لبى نداء الاستغاثة الذي أطلقه الرئيس الراحل معمر القذافي عام 1987 لاستعادة الأراضي الليبية على أثر الانقلاب التشادي "تشاد"، واجتياح رعاة الانقلاب الجنوب الليبي في إقليم "أووزو". وقد تسلم "جبريل" قيادة النجدات العربية التي هبت للدفاع عن ليبيا.. وقد كُتِب له النصر واستعادة ما اغْتُصِب من الأرض الليبية في "أووزو".

حقا كان قامة نضالية عروبية على كل الصعد، بما اكتسبه مصداقية لا تبارى، أهلته لمناوأة كل محاولات محاور العبث الفلسطيني والعربي، فقد رفض تشتت رجال المقاومة، على أثر اجتياح لبنان عام 1982 إلى المنافي العربية، بعيدا عن جغرافية فلسطين، وبقي على الأرض اللبنانية وسوريا في الجوار واللجوء الفلسطيني.

ولعل مواقع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة هي الوحيدة التي لا تزال على أرض لبنان تحرس الشتات الفلسطيني هناك وتذب عن حماه، في وجه حلفاء الكيان الصهيوني هناك.

ولعل المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، بقيادة حركة حماس والجهاد الإسلامي والفصائل المجاهدة قد تناغمت مع أنفاس القائد العظيم أحمد جبريل، في توفير السلاح وإرساله إلى غزة، لدى تصديها للمحتل الصهيوني في أعقاب مؤامرة "أوسلو 1993".

وفي مضمار هذه المسيرة الحافلة بالوطنية والحماس رأيناه أكثر من مؤيد للأمين العام لحركة حماس السيد خالد مشعل إبان تقديمه للقيادة السورية، قبل الانتكاسة في مطلع ربيع "العار" العربي قبل نحو عشر سنوات.

ورغم ما اعْتَوَر المسيرة من عثرات فإن أحمد جبريل ظل علامة فارقة في التصدي لكل محاولات العبث والتلاعب التي تلف أجواء النظام العربي.

والحقيقة أن أبا جهاد ملحمة بطولة وإيمان صادق لا يلين، قد ضحى بشبابه وبفلذات كبده، مغمداً بشهادة بكره جهاد 1992، وما بدلوا تبديلا.

وأخيرا شهدت دمشق أحد أكبر مظاهر الحزن ورافقت تشييعه إلى الملأ الأعلى منعما إلى جوار أبي خليل الوزير، وفتحي الشقاقي ورمضان عبد الله شلح، في مقبرة الشهداء، في مخيم اليرموك، عاصمة الشتات الفلسطيني.

عسى أن يمن الله علينا بنصر قريب وتعود يازور وبيارات يافا، ليعود إليها رفاتك يا بطل، ويسجل التاريخ فجر عصر جديد، يبدأ بتاريخ بطل بكل معاني ومقاييس البطولة.

(يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية) صدق الله العظيم.