(47) يومًا استمر سؤال طفله عبد الله عنه

عبد السلام الغزالي.. جمعته بابن عمه الحياة والشهادة

...
غزة- مريم الشوبكي:

اتصال جاء لعبد السلام الغزالي من ابن عمه نادر، كأنه يستعجله للمصير نفسه بمقدار حبهما: "من يومين مريت من قدام المحل وما ميلت علي"، أخبره عبد السلام أنه خلال دقيقة سيصل عنده.

نادر لديه محل خياطة في شارع المغربي بمدينة غزة، جلس خلف ماكينة الخياطة ومقابله وقف عبد السلام وظهره إلى الشارع، الساعة الـ12 ظهرًا استهدفت طائرات الاحتلال الحربية سيارة مدنية كانت متوقفة أمام الباب، وكان ذلك في اليوم الأخير لشهر رمضان.

أخذ كلاهما يطمئن على حال الأخبار ويضحكان، فجأة بددت شظايا الصاروخ ضحكاتهما، على الفور أصيب عبد السلام بها في أنحاء جسده، أخطرها كانت في رأسه، وفاضت روحه على الفور، وسقط على باب المحل، أما نادر الذي تلقى شظية قاتلة في صدره وتدفقت الدماء من جسده فهز جسد عبد السلام الذي كان باردًا دون أي ردة فعل، ولحق به بعد دقائق قليلة.

الشهيد عبد السلام كان يعمل في محل للمأكولات الشعبية في الشارع ذاته، قبل استشهاده ذهب لتنظيفه مع صديقه عبد الله لاستقبال عيد الفطر، ثم غادر مسرعًا إلى بيته ليلتقي زوجته وأولاده.

حتى اليوم لا تستوعب هبة رفيقة دربه أنها ودعت عبد السلام بلا رجعة، تقول: "بعد فجر اليوم ذاته وقع دوي انفجار ضخم نتيجة قصف نفذه الاحتلال، أنزل الرعب في قلبي، فخرجت من بيتي إلى بيت سلفي المقابل لنا، كنت أشعر بانقباض كبير في قلبي وأبكي بلا توقف".

ما حير هبة أن جميع إخوته وأطفاله ووالديه كانوا خائفين، إلا هو كانت ضحكته لا تفارق مبسمه، انحنت هبة نحو عبد السلام قائلة: "يا عبد إنت بتضحك، مش وقته، إحنا في إيش وإنت في إيش؟!".

تذكر أنهم عادوا إلى البيت بسلام، وغط عبد السلام في سبات عميق، واستيقظ نحو الساعة العاشرة والنصف، أخبرها أنه سيذهب لتفقد محل المأكولات الذي يعمل فيه، وقدرًا كان صاحب المحل قد أرسل على هاتفه رسالة بعدم التوجه إلى المحل في ذلك اليوم، ولكن هاتفه وهاتف زوجته كانا مغلقين ولم يشاهد الرسالة.

خرج عبد السلام لأول مرة من بيته ولم يودع والده قبل خروجه كما هي العادة، لأنه خشي رفض أبيه خروجه في هذا الوقت الخطر بسبب العدوان المتواصل على قطاع غزة، فهو آخر العنقود والابن المحبوب لديه.

"صبور وخدوم"

خرج عبد السلام إلى قدره، وقبلها أخبر هبة أن تفطر وحدها في هذا اليوم، لأنه سيكون مشغولًا في المحل وسيفطر مع زملائه، ولكنه استشهد وكان آخر رمضان يجمعه بها في هذه الحياة.

عبد السلام كما يصفه من حوله شخص صبور وخدوم لا يرد أي شخص يطلب منه المساعدة، قبيل استشهاده بيوم تناول طعام الإفطار مع عائلة زوجته وإخوتها، ثم طلب منها أن يزورا بيوت أخواتها اللاتي يسكنّ بالقرب من بيتهما.

تروي هبة موقفًا جمعهما بإحدى أخواتها: "حينما دخلنا البيت بدا على أختي وزوجها وأطفالها الخوف والرعب، سألهم: "لماذا أنتم خائفون؟"، وابتسم مرددًا: "ربما نموت صباح الغد"، كأنه تنبأ لحظة استشهاده".

تاهت الكلمات ولم يعرف إخوتها كيف يزفون إليها خبر استشهاده، ولكن قلبها كان دليلها، صرخت من وجعها: "عبد مات، عبد مات"، أجهشوا جميعهم بالبكاء، شدت على أيديهم: "أمانة تأكدوا، تأكدوا"، عقلها لا يكاد يصدق أن حبيب قلبها قد سبقها إلى الجنة.

سكتت فجأة، حتى وصلت والدتها لتواسيها في ارتقاء زوجها، حضنتها بقوة وهي تصرخ: "راح يما عبد راح يما".

قبل استشهاد عبد السلام بيومين اشترى لهبة ملابس العيد بسعر مرتفع بالنسبة لوضعه المالي الصعب.

زار عبد السلام هبة في الحلم يكفكف دمعها، جاءها بقميص أصفر فاقع يزور مدرسة حاملًا صينية من الحلويات، يوزعها على من في المدرسة وهو يضحك، وفي منام آخر جاءها حاملًا ابنتهما ريفان التي تبلغ العام، يطلب منها أن تكف عن البكاء، لتستيقظ من نومها مستبشرة برؤيته، تحاول أن تتماسك أمام ريفان وعبد الله ذي الأعوام الستة.

استشهد عبد السلام وترك أسئلة لا إجابة شافية عنها لدى عبد الله، الذي لا ينفك عن سؤال والدته عن أبيه الذي طال انتظاره له.