هبَّة القدس.. وحدة الشعب والأرض

حقيقة لم يكن يتوقع أحد أن يكون لهبة الأقصى كل هذا التأثير في مجمل الأحداث في المنطقة فلقد أعادت القدس لفلسطين روح القضية المتمثل في وحدة الشعب ووحدة الأرض، وتحققت وحدة الشعب بالثورة التي شملت كل المدن والقرى والمخيمات العربية وفي الضفة والوطن المحتل منذ عام 48 والقدس وغزة وحققت قوة النار المنطلقة من غزة وحدة الأرض فغطت صواريخ المقاومة خارطة فلسطين التاريخية من شمالها لجنوبها ومن بحرها لنهرها بل لقد تجاوزت الهبة الشعبية المقدسية فلسطين لتشمل الدول العربية والاسلامية وعددا من الدول الأجنبية ووصلت الحماسة والنخوة العربية والإسلامية بعض الشعوب أن جعلها تقتحم السياج الحدودي الفاصل بين فلسطين والأردن وفلسطين ولبنان وفلسطين وسوريا.

ما يحدث في فلسطين اليوم ليس تصعيداً عسكرياً تقليدياً بين غزة والعدو الصهيوني إن ما يحدث في فلسطين يمثل عملياً بداية النهاية للمشروع الصهيوني الذي امتد لمدة 73 عاماً وأثبتت هبة القدس أن مشاريع التعايش والتطبيع مجرد وساوس في عقول بعض المنهزمين الذين هزمتهم الخرافة الصهيونية مبكراً.

اليوم نحن شعب فلسطين نبدأ مرحلة جديدة وأظنها الأخيرة في مسلسل الوجود الصهيوني على أرض فلسطين بعد أن أصبح هذا الوجود متهالك البنيان متداعي الأركان وغير قابل للاستمرار وذلك أن فكرة الكيان الصهيوني قامت على عنصرين هما خرافة أرض الميعاد اليهودي والقوة العسكرية المفرطة. أما العنصر الأول قد خبت جذوته في نفوس الأجيال الصهيونية الحالية التي لم تعش مرحلة بناء الدولة ولم تعد هذه الخرافة تشكل دافعاً وجدانياً لهم للتمسك بالأرض باستثناء جماعات الحريديم المكروهة أصلاً من بقية المجتمع الصهيوني، وما وجودهم على الأرض الفلسطينية إلا  لمصلحة مادية لتجمّع يهودي غير متجانس ثقافياً، ومتباعد عرقياً، وقد انعكس أثر هذا الاختلاف على الحياة السياسية الإسرائيلية، حتى لم تعد الأحزاب الصهيونية قادرة على قيادة الدولة وقد اعتراها ضعف شديد على مستوى القادة والبرامج، أدى إلى تلاشي بعض الأحزاب التاريخية لديهم مثل حزب العمل المؤسس للدولة، إضافة لما ينخر هذا الكيان من فساد أدى إلى سجن العديد من القيادة الصهيونية العليا وصلت لرئيس الدولة نفسه ورئيس وزراء سابق ووزراء، وما زال رئيس الوزراء الحالي نتنياهو يمارس كل الرذائل والموبقات للتشبث بالسلطة خوفا من الذهاب لمصيره المحتوم بالسجن.

أما على صعيد القوة العسكرية فإن هذه القوة أصبحت رغم كل ما تحظى به من إمكانات أضعف من أن تحمي هذه الدولة وتجمدت الدافعية لديهم على المبادرة، وضعفت قدرتهم على السيطرة، وأصبح أقصى طموح لهم إعادة الأمن لمواطنيهم الذي أصبح مفقوداً منذ زمن، وما زال يتآكل مع مرور الوقت.

فقدان عنصري وجود الدولة يعني أن مستقبلها أصبح مظلماً، ولم يعد لها مبرر وجودي، يوازي ذلك عودة الروح الفلسطينية الوثابة التي تشبعت بعشق الأرض وفدائها والتسابق للشهادة على أرضها، وكل ذلك مثل كفتي ميزان إحداهما تهوي بسرعة والأخرى تعلو بنفس القدر من السرعة، بما يرسم مشهدا جديدا للواقع المنظور يكاد يجمع عليه المحللون، واقع تبرز معالمه على خارطة وطن فلسطيني نقي من شوائب الحقبة الصهيونية.

لذلك أظن أنه من الضرورة أن يكون للشعب الفلسطيني الآن وعلى وجه السرعة قيادة تكون على مستوى هذه الحدث التاريخي، تستطيع أن تقود شعبنا نحو التحرير الذي تجلت إرهاصاته وتحققت شروطه، فقد أصبح السكوت على وجود "قيادة" مهزومة نفسياً منذ زمن، يشكل عقبة لا بد من إزالتها، لأن بقاءها يمثل جريمة بحق شعبنا ومستقبله، بل إن وجودها حتى اللحظة يعاند حركة التاريخ التي تدور لصالح شعبنا.

أمس هو الخامس عشر من مايو، يوم أن أعلن عن وجوده الكيان قبل 73 عاماً، وأرى أن الدائرة قد أغلقت بهذا التاريخ على وجود الكيان الصهيوني على أرض فلسطين، ونحن أمام مرحلة جديدة بدأت بهبة القدس ثورة المدن العربية في الداخل الفلسطيني ومؤازرة غزة والضفة والتفاف عربي، هذه الحالة من وحدة الشعب والأرض تقول بوضوح إنه قريبا جدا لن يكون للوجود الصهيوني أثر على أرض فلسطين.