لافتاتٌ مطالبة بالحقوق، خيمةُ اعتصام مفتوحة، موظفون جاؤوا من مدن مختلفة يجمعهم تحت سقف الخيمة مطلب واحد بإنصاف موظفي تفريغات 2005، وإخراجهم من الضنك الذي وضعتهم فيه السلطة، يفترشون ساحة السرايا بمدينة غزة، أما اليأس والقهر فيفترش ملامح وجوههم الشاحبة، حالة البؤس التي تقرؤها في تلك الوجوه تخبرك بالألم والحزن الذي يعتمل صدر كل واحد منهم، توشك دموعهم أن تنسدل بخفة وتهرب من تماسكهم الهش.
إضافة لتلك الخيمة، ما زالت عوائل شهداء الحروب الإسرائيلية الأخيرة على القطاع وعددهم نحو ألفي شهيد يطالبون باعتمادهم لدى مؤسسة رعاية أسر الشهداء والجرحى التابعة لمنظمة التحرير.
كما شرع اتحاد المقاولين الفلسطينيين في قطاع غزة، في تنفيذ سلسلة فعاليات تطالِب السلطة الفلسطينية بدفع "الإرجاعات الضريبية" والمقدرة بـ(120) مليون دولار منذ 2008.
في سن الأربعين تزوج عبد الكريم الحاح، وهو أحد موظفي التفريغات، قبل ست سنوات، أما عن السبب فقد سبق ملامحَه التي تجتمع فيها كل خصال الحزن صوتُه في الإجابة: "تأخرت في الزواج بسبب الراتب المتدني، وبعد الزواج تفاقمت حياتي صعوبة، إذ اقترضت من البنك لأجل الزواج، واليوم أعيش بالإيجار ولا يتبقى لي أي شيء لأعتاش منه".
يأخذك لقلب معاناته أكثر: "أتدري، حينما تمرض ابنتي أذهب بها مشيًا على الأقدام إلى العيادة التي تبعد عنا عدة كيلومترات".
بقربه يقف فارس معروف، من نفس التفريغات، جاء لخيمة الاعتصام باحثًا عن بارقة أمل بإعادة راتبه المقطوع منذ عام 2007، أما هنا فصوت القهر ينبعث من أعماقه: "كنت أعيل عائلة من ثلاثة عشر فردًا قبل أن تقطع السلطة راتبي، وتتحول حياتي إلى كابوس، وأصبحتُ أجيرًا لدى الآخرين في الزراعة لسد رمق أبنائي".
وأنت تتأمل ملامح كل واحد منهم، للوهلة الأولى لا تعتقد أنهم موظفون، هم أيضًا يقرون أنهم موظفون "مع وقف التنفيذ" أو على ورق، رمتهم السلطة الفلسطينية في مستنقع أزمة لم يستطيعوا الخروج منها، وحولتهم عام 2017 لأحد نماذج "الشؤون الاجتماعية" يتلقون الفتات حينما خفضت نسبة دفعاتهم الشهرية من 1500 شيقل إلى 700 شيقل قبل أن تعدل عن قرارها.
أزمات مصطنعة
قرار عدلت عنه السلطة لكنها دمرت حياة موظفين لم يستطيعوا ترميم آثاره حتى الآن، كالموظف سائد العرابيد، وهو يتوشح الكوفية وتتوشحه أحزانه وهموم تلتف حوله من كل جانب، أوصلته لقناعة أن ما يمرون به "أزمة مصطنعة لصالح أشخاص متنفذين في السلطة، وهؤلاء لا يدركون أنهم وضعونا في ديون حتى الآن نسددها للبنوك والمؤسسات الأُخَر".
يقول هذا الموظف الذي لا يملك باليد حيلة سوى البوح بالقهر الذي يستوطن قلبه: "يحسبوننا موظفين، فنحرم من التأمين الصحي، وترفض أي مؤسسة التعامل معنا لأننا موظفون، إذا أردت السفر يختم بجواز سفرك أنك موظف، فهل نحن موظفون على المزاج؟".
هذه الأزمات تتحمل مسؤوليتها، حسب الناطق باسم تفريغات 2005 رامي أبو كرش، الحكومات الفلسطينية المتعاقبة التي تجاوزت القانون الفلسطيني في التعامل معهم، وأدارت الظهر لحقوقهم ومعاناتهم، في وقت تصرف كامل الحقوق لنفس التفريغات في الضفة الغربية.
ويبلغ عدد هؤلاء الموظفين كما ذكر أبو كرش لصحيفة "فلسطين" 8 آلاف موظف، قامت السلطة بفصل 250 موظفًا منهم، وقال: "لم تتعامل السلطة مع الملف على أنهم موظفون، في وقت تجاوزت فيه حكومة رامي الحمد الله القانون الذي أقرته بالحد الأدنى للأجور، حينما خفضت الراتب للنصف في انتهاك أيضًا لقرار الحد الأدنى للأجور الذي أقرته وهو ما أدى لوفاة 13 موظفًا بنوبات قلبية بسبب الالتزامات المالية التي أرهقتهم على مدار 19 شهرًا قبل العدول عن القرار لاحقًا".
عوائل الشهداء.. 7 سنوات بلا مجيب
منذ شهرين تعتصم والدة الشهيد صالح زياد موسى الذي استشهد في 2 آب/ أغسطس عام 2014م، في خيمة الاعتصام أمام مؤسسة رعاية أشر الشهداء والجرحى بمنظمة التحرير بمدينة غزة، هي وعشرات العائلات للمطالبة بحقٍّ هو حقٌ للشهيد على مجتمعه، لكن السلطة ترفض الاستجابة لمطالب 1943 عائلة من عوائل شهداء الحروب الثلاث السابقة باعتماده وصرف رواتب لهم.
والدة الشهيد موسى التي تتوسط مجموعة من النسوة داخل خيمة الاعتصام، أطلقت العنان لحنجرتها المحشوة بالقهر والغضب بلهجة عامية: "حتى الآن سبع سنين بنجري، مكانش معي إلا صالح (ولد وحيد) وخمس بنات، وكان هو المعيل إلنا، ولكنه استشهد".
إضافة لشقيقاته ترك الشهيد صالح بناته الخمس يجلسن أمام جدتهن، يشاركنها في هذا المصاب.
سياسة إقصاء واستقواء
أمام هيئة التقاعد في مدينة غزة، يردد الموظفون المتقاعدون قسرًا والمحتجون على استمرار تقاعدهم المبكر شعارات "يسقط يقسط التقاعد"، ويرفعون لافتات مكتوب على بعضها "لا لسياسة الإقصاء.. لا للاستقواء بالقانون"، وفي لافتة أخرى "راتبي حقي وحق أولادي".
أغلق العشرات من المحتجين وهم من مؤسسة الرئاسة والمنظمات الشعبية والطيران ومؤسسة بحر، مدخل الهيئة، مطالبين بـ"الإنصاف ووقف التمييز الممارس ضدهم"، أسوة بزملائهم المتقاعدين ماليًّا، وتقدر أعداد هؤلاء الموظفين بنحو ألف موظف مدني قاعدتهم السلطة قسرًا.
"جئنا اليوم لنطالب بمساواتنا بزملائنا" مطالب لا يعلم زكريا أبو ناجي وهو موظف من المكتب الرئاسي إن كان سيُستجاب لها أو لا.
هنا، بوجه محمر وصوتٍ مجهد أفرغ الموظف رامي الشيخ خليل ما في قلبه بلهجة عامية: "احنا ارتمينا بالشوارع.. بنعيش حياة صعبة؛ حرام عليهم"، وهو أحد 113 موظفًا يعملون بمؤسسة البحر لديهم قرار رئاسي بالتثبيت منذ عام 2004، لكنه لم ينفذ".
سلسلة فعاليات احتجاجية
وما زالت تفتح خيام الاعتصام ضد إجراءات السلطة الفلسطينية، إضافة للاعتصامات السابقة، إذ شرع اتحاد المقاولين الفلسطينيين في قطاع غزة، في تنفيذ سلسلة فعاليات تطالِب السلطة الفلسطينية بدفع "الإرجاعات الضريبية" والمقدرة بــ(120) مليون دولار منذ 2008.
ونصب الاتحاد أول من أمس، خيمة اعتصامية أمام مقره بغزة، سيُبقيها على مدار أسبوع، يؤكد مسؤولون فيه لصحيفة "فلسطين" في حديث سابق، أن السلطة الفلسطينية أحجمت عن دفع حقوق شركات المقاولات في الإرجاعات الضريبية منذ عام 2008، وهي حقوق مالية لــ(175) شركة مقاولات عاملة بغزة.