أم الفحم إذ تسبق عدوَّها بخطوة

عاجلاً أو آجلاً كان لا بدّ لسياسات الاحتلال تخريب واقع فلسطينيي الداخل (الفلسطينيون الذين يعيشون في المناطق التي احتلت عام 1948) كان لا بدّ أن تنفجر هذه السياسات في وجهه، وأن تحين يقظة الفلسطيني الكبرى هناك وانتفاضته الحتمية في وجه المحتل.

سياسات التخريب هذه لازمت عقلية المحتل منذ احتلاله الأول فلسطين عام 1948، فقد أراد للفلسطينيين الذين لم يفلح في تهجيرهم من أراضيهم أن يظلوا أقلية ساكنة مسلوبة الإرادة وممسوخة الهوية، وأن يقطع صلاتهم بالفلسطينيين في بقية الساحات، وخصوصاً رابط الهم المشترك والقضية الواحدة، وأن يعطل اندماجهم في مشروع التحرر بمختلف أشكاله.

غير أن الوعي الفلسطيني ظل عصياً على التدجين، وقد ساهمت كثير من نخب الداخل الفلسطيني في الحفاظ على ملامح الهوية من الذوبان في المشروع الصهيوني، في حين ساهمت عديد المبادرات التي قادتها الحركات الفلسطينية في الداخل (وعلى رأسها الحركة الإسلامية) في تمتين مناعة المجتمع ضد التصهين والتهويد والذوبان في خصائص المجتمع الاحتلالي والإحلالي، الطارئ على الأرض وإنسانها.

منذ هبة عام 2015 ثم هبة باب الأسباط ضد البوابات الإلكترونية عام 2017، كانت هناك مشاركات واضحة في مجرياتهما لفلسطينيي القدس والداخل الفلسطيني، وحمل بعض فلسطينيي الداخل السلاح ونفذوا عمليات ضد الاحتلال، مثل عملية الشهيد نشأت ملحم في تل أبيب مطلع عام 2016، وعملية الشهداء الجبارين الثلاثة من أم الفحم في القدس، منتصف عام 2017، وغيرهما من عمليات متفرقة أو مشاركة في المواجهات ضد الاحتلال.

وهنا تنبه الاحتلال إلى خطورة تحوّل المقاومة الناشئة من داخل الخط الأخضر إلى ظاهرة، مع ما سيعنيه ذلك من تطور جذري في أنماط الصراع معه، نتيجة للتداخل الجغرافي بين المجتمعين الفلسطيني والإسرائيلي داخل الخط الأخضر، ثم بدأت تظهر ملامح جريمة منظمة في مدن الداخل الفلسطيني، وتصاعدت الحالة إلى درجة صارت فيها حوادث القتل خبراً يومياً في وسائل الإعلام، وإن كانت المجتمعات المحافظة يمكن أن تبقي مناعتها متماسكة ضد عوامل الإفساد الأخرى كالمخدرات والبغاء، إلا أن إدماءها بالقتل وما يخلّفه من نوازع الثأر والتفكك والفتن الداخلية والانقسامات يعدّ عاملاً أساسياً لإشغالها بجراحها وحملها على الغوص في مشكلاتها اليومية التي تتعقد أكثر مع مرور الوقت، ثم تكون النتيجة تحييد مجتمع كامل عن قضاياه الكبرى وعن الاكتراث بسياسات الاحتلال، حين تنعدم الدافعية لمقاومتها، فيظل المجتمع أسير ضعفه بأمراضه الداخلية وتفككه وتنازعه وما يفرزه كل هذا من آثار سلبية في الوعي الجمعي.

أدرك فلسطينيو الداخل دور الاحتلال في إشاعة الجريمة المنظمة وتسهيل عمل مافيات السلاح والمخدرات في أوساطهم، فلم يكتفوا بتشخيص الحالة والتباكي على آثارها، ولا بمحاولة إنهائها عبر الدعوات الوعظية المحذرة من خطورتها وكارثية تداعياتها، فهذه على أهميتها، فإنها لا تكفي لتفكيك ظاهرة الجريمة بعد شيوعها، إنما رأوا أنه لا بد أن يتقدموا على هذه السياسات بخطوة، فأطلقوا حراكاً جماهيرياً ضد الاحتلال، وخاصة في مدينة أم الفحم التي بدأ حراكها الموحد المنظم ضد الاحتلال وسياساته منذ نحو شهرين، وما يزال مستمرا.

إن خير ما يمكن فعله لإعادة ضبط وعي شعب وتصحيح بوصلة مسيره وتنظيفه من أمراضه أن تُوجّه طاقاته وتستثمر في معركة نبيلة، وأن يُصاغ لحراكه هدف جامع عظيم، وأن يُتاح له أن يكتشف في ذاته مكامن قوّته وقدرته على تغيير واقعه، وإضاءة طريق مختلف يصله بغاياته، وإن كان صعبا، لكنه يظلّ ضامناً لتماسكه ولاستخراج أفضل ما فيه، فيغدو فيه رائداً لا تابعاً، وفاعلاً لا مفعولاً به، ومغيّراً لا متغيراً تحت وطأة معاول التخريب والإلهاء والتحييد التي ينتهجها عدوه.

ليوم كهذا أعدت أم الفحم نفسها، وهي منارة المدن الفلسطينية المتجذرة وطنيةً ووعياً وفعلا، وهي صاحبة المبادرات المتقدمة في كسر إرادة المحتل، وصون المقدسات، والذود عن المسجد الأقصى، عبر رموزها وجمهورها الأصيل الملتصق بجذوره وهويته، وهي جديرة بأن تكون موقدة شعلة انتفاضة فلسطينيي الداخل، وتجذيرها وإدامتها ومدّها، والتقدّم في ميدان الفعل القادر على صياغة حالة نضالية تناوئ سياسات الاحتلال وتجهض أهدافها، وفي المقابل تعزز في أوساط المجتمع الفلسطيني معاني الوعي والثورة، وحتمية الانتفاض والمواجهة.