الجنرال "تامير" أول ناخب يُدلي بصوته

لكل شيء وجهان، بما فيها الاعتقالات الإسرائيلية القاسية والمؤذية والمتصاعدة بالضفة الغربية، التي تضع أهلنا هناك في مواجهة مباشرة مع جنود متأهبين دومًا للقتل.

لكنها تأتي في سياقها المتوقّع قبل أسابيع من الانتخابات الفلسطينية، ضمن عادة الاحتلال في التأثير فيها أو توجيهها بما لا يعارض مصالحه الأمنية كهدف أساسي.

يجب التأكيد أولًا أن قرار خوض الانتخابات في هذه الحالة وعلى الرغم من معرفتنا بأن الاحتلال سيعمل على تخريبها، ليس متغيرًا، فالتراجع عنها أو إلغاؤها لن يوقفا المداهمات والاعتقالات، وستبقى القبضة الإسرائيلية شديدة على الضفة، فهي في الفكر العقائدي الصهيوني يجب أن تظل تحت السيطرة الإسرائيلية، حتى أن صفقة القرن، وفق معلقين إسرائيليين، "صممت من أجل تمكين (إسرائيل) من ضم الضفة أو أجزاء واسعة منها".

لذلك فالانتخابات ممر إجباري لا بد أن نتعرض من أجلها لأي آلام، وليس أمامنا إلا الصمود في وجه العادة الإسرائيلية، ومع أن مسألة السلامة الأمنية لا بد أن تكون أولوية وطنية، ومثار تفكير ومعالجات دائمة، فإن كل الحلول بقناعتي تبقى نتائجها نسبية في بيئة احتلال مزدحمة بالوكلاء الأمنيين.

الوجه الآخر لهذه الاعتقالات التي يشرف عليها غالبًا قائد المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال "تامير يدعي"، هو أنها تحدد الوجهة الوطنية أو البرنامج السياسي الفلسطيني الأقدر على الإضرار بالمصلحة الإسرائيلية ووقف خدمات الآخرين لها.

هذا البرنامج يمكن تحديده من أسماء وهويات المعتقلين وانتمائهم، لتبدو هذه الاعتقالات أشبه بمساهمة في توجيه الناخب نحو العناوين الجديرة بحمل هذا البرنامج وتبنّيه، من مبدأ أن تمام الوطنية هو في قبول من ترفضه "إسرائيل" أو رفض "مرشحيها".

وبذلك تتحقق الأبعاد الوطنية لهذه الانتخابات، بإبقاء العلاقة المثالية السليمة مع الاحتلال، وهي دوام الاشتباك، وصد أيّ محاولات لتخريب هذا الاستحقاق، وحث الشعب على الدفاع عن إرادته وحقه في الوجود.

يظهر الجنرال "تامير" بهذه الاعتقالات كأول ناخب يدلي بصوته في الانتخابات الفلسطينية المقبلة، ويختار إقصاء وتغييب القواعد والأركان الشعبية الداعمة للقوائم الانتخابية المرتقبة والمعلومة لديه، التي سيكلّفه فوزها مرة أخرى منصبه، وسيجلب الإشغال لجيشه، وسينزع أمن مستوطنيه، وستشكّل محرّك تحريض فاعلا وخطرا ضد كل مصالحه في الضفة المحتلة، وسيعمل بدافع الخشية من بيئة شبيهة لما جرى في غزة بعد انتخابات 2006.

ولا تبدو هناك حاجة حاليًا للتفكير في اليوم التالي لهذا الفوز، فكل السيناريوهات بتقديري لن تكون في مصلحة الاحتلال؛ لأنه يجب أن نعترف بأن الضفة اليوم بحاجة إلى واقع سياسي جديد ومختلف مهما كانت تكلفته؛ لأن البناء الهندسي الصحيح للنظام السياسي الفلسطيني يبدأ بهدم الأساس الأعوج.