نتيجة الانتخابات على مكتب الرئيس

أسبوعان من الجدل وإبداء المحاذير خاضتها الحالة الفلسطينية في إثر القرارات التي أصدرها الرئيس محمود عباس بشأن القضاء، ضمن التحضيرات للانتخابات العامة، دون ردّ رسمي أو موقف يحترم الرأي العام ورأي النخبة، ولو على سبيل الحيلة.

تفصيل وقراءة دقيقة أُخضعت لها هذه القرارات انتهت إلى أن ما يجري هو "كارثة" بكل المقاييس، لكن بمعزل عن ذلك يبدو مهمًّا السؤال حول: ما الذي يدعو أبا مازن إلى إصدار قرارات يدرك أنها لن تحظى بتوافق، فضلًا عن أنها قد تفجر الانتخابات وتعيد الأمور إلى نقطة الصفر؟ أو ما الذي يخشاه؟

هل يعني ذلك أنه يريد أو يسهّل صناعة أعذار للتهرب من الاستحقاق بذريعة رفض الآخرين لهذه القرارات، حتى يمنحه هذا الرفض صلاحية تنظيم هذه الانتخابات دون قطاع غزة مثلًا؟ يمكن طرح مجموعة من الأسباب، قد تكون الإجابة في واحدة منها أو جميعها.

لا تعد هذه القرارات أولًا أو تعكس تصرّفًا جديدًا على الرئيس عباس، بل استكمال لسياسة التفرد والإقصاء، ولحسابات ومصالح ضيقة لا تراعي أيًّا من الكفاءة أو المهنية، بل تعيين على قاعدة الولاء وفروض الصلاة شطر المقاطعة.

يدرك أبو مازن ثانيًا أن حركة فتح في وضع داخلي لا يسمح لها بالمنافسة في الانتخابات، وبذلك هو يعترف بطريقة غير مباشرة بالمسؤولية عما آلت إليه الحركة منذ توليه رئاستها، كما أن التلميح بإمكانية تراجعه عن بعض القرارات التعسفية التي تخصّ موظفي السلطة في قطاع غزة أو أقاليم فتح وكوادرها يحمل اعترافًا بالمسؤولية عن أزمات غزة، وإن كانت أسباب هذه الأزمات ليست مجهولة إلى قدر الاعتراف بالمسؤولية عنها بعد كل هذه المدة.

كما لا يطمئن أبو مازن إلى الخطوات أو شكل المشاركة التي قد تقررها حركة حماس، في حال رفضت مثلًا المشاركة ضمن قائمة مشتركة مع فتح، لذلك يذهب إلى تحصين نفسه والإمساك بالمفاتيح التي تتيح له منع تكرار سيناريو 2006م، ومنع أي مفاجآت، رغم أن شكل النظام الانتخابي وطبيعة الترشّح يكفلان له ذلك.

قد تكون هذه القرارات كذلك جزءًا من الترتيبات في خضمّ إدارة الصدام مع القيادي محمد دحلان؛ بتمكين السيطرة على المنظومة القضائية التي تكفل إغلاق وسدّ كل المنافذ على عودته إلى المشهد السياسي الفلسطيني، مع التلميح بالترشّح في الانتخابات العامة بشخصه أو عبر التيّار، بحيث سيكون دحلان مطالبًا بموجب قانون الانتخابات أن يرفق بطلب الترشح شهادة عدم إدانة من المحكمة، وهذا غير ممكن في وضعه.

يوجد تفسير آخر، يُرجع هذه القرارات إلى نفوذ وتجنح بدأ رصدهما داخل القضاء، وعدم رضا عن قرارات الرئيس والعبث به، وقد يدلل على ذلك حجم الإقالات بالجُملة لقضاة في ذروة عطائهم، وبذلك يدرك أبو مازن أن الهيمنة على القضاء تكرّس الخضوع الذي يريده من الجميع.

وفي هذا الوضع غير القانوني الذي يضع نتيجة الانتخابات على مكتب الرئيس، ما المطلوب فعله؟ إن أول الواجبات هو رصد هذه المخالفات والتجاوزات الخطيرة ومحاولة التسلل إلى خلفياتها وأسبابها الحقيقية؛ من أجل تكييف الرد على أساسها، بما لا يضمن منح أبي مازن الذريعة التي يريدها للتراجع.

يمكن استباق الرد على هذه المخالفات بإخضاعها للحوار الوطني والنقاش بشأنها، وصدور موقف وطني موحد مستند إلى رأي قانوني رصين، على أن يرسل في مذكرة اعتراض للدول والضمانات التي تقف خلف هذا المسار ويعنيها، على أن يرفق معها البدائل والتوصيات القانونية التي تضمن سلامة الانتخابات ونزاهتها، إضافة إلى تقديم تعهدات بالحرص الوطني على إجراء الانتخابات والالتزام بالمراسيم ومواعيدها، لكن ليست على طريقة "صيد الثعالب".

وبرأيي لا يوجد، في حالة بصيص الأمل والتمنّي التي يعيشها المواطن الفلسطيني، حاجة إلى افتعال ضجيج بشأن هذه المخالفات يهدم بداية البناء، بل إبطالها بحرص ومسؤولية ترتكز على شرح مخاطرها بطريقة يفهمها راسب الابتدائية وحامل الدكتوراة، يعنينا أن يعرف المواطن أن صوته في هذه الانتخابات عُرضة للسرقة.

قد يكون تكليف جهة قانونية دولية محايدة للفصل في ذلك أو تقديم الرأي القانوني بشأنها فكرة قابلة للدراسة، بالطريقة ذاتها التي دعي بها الاتحاد والبرلمان الأوروبيان رسميًّا للرقابة على الانتخابات.

ومن المهم في سياق هذا الجهد محاولة ممارسة ضغوط على فتح للعودة عنها، قبل إطلاع الرأي العام بشأنها، إذ إن ملاحظات وتحذيرات الحقوقيين وخبراء القانون تنذر بأن خوض الانتخابات استنادًا إلى هذه القرارات يعني كارثة خطيرة، وهذا -لا شك- لن تقبله الفصائل وحركة حماس.

لن يتراجع أبو مازن بتقديري عن هذه القرارات، وحينها ستتأكد الشكوك حول أسبابها بهذه الصيغ المستفزة؛ لأنه ليس من نمط السياسيين الذين يعدون التراجع عن الخطأ نضجًا، أو الإصرار عليه نقصًا، لكنه قرأ -لا شك- أو مرّت عليه مقولة ابن خلدون: "فساد القضاء يُفضي إلى نهاية الدولة"، وهذا يعني أننا أمام انتخابات ستهدم ما تبقى من النظام وليس إصلاحه.