"لم يرتكب أي ذنب سوى أنه أراد البحث عن لقمة عيشه".. بهذه الكلمات بدأ عزمي جودة الحديث عن استشهاد شقيقه فؤاد (48 عامًا)، في ساعة مبكرة من صباح أمس.
واستشهد فؤاد من سكان بلدة عراق التايه شرق مدينة نابلس شمالي الضفة الغربية المحتلة، في إثر استهدافه ومجموعة من العمال من قوات الاحتلال الإسرائيلي في أثناء محاولتهم الوصول إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948.
ويضطر الكثير من العمال إلى العبور من فتحات في جدار الفصل العنصري أو من طرق طويلة وملتوية للوصول إلى أماكن عملهم في الداخل المحتل، بسبب قرارات الإغلاق الإسرائيلية بذريعة مكافحة جائحة كورونا.
وعادة ما تنتشر قوات الاحتلال بكثافة عند الحواجز المقامة بين محافظات ومدن الضفة الغربية المحتلة، وتلاحق العمال، ويصل الأمر في بعض الأحيان إلى القتل العمد قرب الحواجز وبعض المفترقات.
وفجر أمس، غادر العامل فؤاد جودة، تحديدًا الساعة الثانية بعد منتصف الليل، وتوجه مع عدد من العمال إلى ما يعرف ببوابة "فرعون"، وهناك كانت قوة إسرائيلية مدججة بالسلاح قابلتهم بإطلاق مكثف لقنابل الغاز، بحسب شقيق الشهيد، مضيفًا: "لم نتوقع استهداف عمال عُزَّل بقنابل غاز سامة".
ولم يمضِ على جريمة استهداف العمال كثيرًا حتى عرف عزمي بنبأ استشهاد أحد العمال، الأمر الذي دب في قلبه الرعب خوفًا على شقيقه، وبعد عشر دقائق فقط جاء الخبر الأخير وعلم أن العامل الذي استشهد عند بوابة "فرعون" كان شقيقه بعد استنشاقه كميات من الغاز السام.
وتسبب ذلك بإصابته بأزمة صدرية حادة، أدت إلى استشهاده، إذ لم يكن يعاني أي أمراض سابقة.
والشهيد فؤاد متزوج ولديه 4 من الأبناء، أكبرهم ريان (10 أعوام) وأصغرهم صبا (عامان)، غادرهم جميعًا ووالدتهم تاركًا إياهم دون معيل.
وكان فؤاد قد لجأ للعمل داخل الأراضي المحتلة عام 1948 قبل 10 سنوات، وفق شقيقه، وعمل قبلها عاملًا في مجالات متعددة.
في غضون ذلك، يؤكد عزمي أن عائلة الشهيد لن تتنازل عن حقها في ملاحقة جيش الاحتلال وجنوده المسؤولين عن استهداف ابنهم، وهي تصر على ذلك "وسنخاطب المؤسسات والجهات الحقوقية والقضائية حتى يتم محاكمتهم" كما يقول.
وأضاف أن زوجة الشهيد وأبناءه يمرون بظروف صعبة للغاية بعد استشهاد معيل الأسرة، إذ كان لهم السند في كل شيء.
وعلق الناشط الحقوقي عماد صلاح الدين على استشهاد العامل جودة، قائلًا إن ما يقوم به الاحتلال جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحسب القانون الدولي، عادًّا أن أكبر جريمة تاريخية هي وجوده بحد ذاته على أرض فلسطين.
وأضاف صلاح الدين في تصريح لصحيفة "فلسطين" أنه ليس غريبًا على (إسرائيل)، القوة القائمة بالاحتلال، أن تقتل وتلاحق الفلسطينيين وتعوق حركتهم، أو أن تقيم جدار الفصل العنصري، فهذه الانتهاكات متكررة ومتوقعة في أي وقت.
"لكن المشكلة الأكبر تكمن في استمرار جرائم الحرب الإسرائيلية والجرائم ضد الإنسانية بحق الشعب الفلسطيني بما يخالف القوانين الدولية وحقوق الإنسان والقرارات الأممية واتفاقيات (جنيف)" بحسب صلاح الدين.
دعوى قضائية
وأدان رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين سامي العمصي جريمة استهداف جنود الاحتلال العمال وقتل العامل جودة بالقنابل السامة.
ونعى العمصي في بيان صحفي أمس، العامل جودة "الذي دفع حياته في سبيل البحث عن لقمة العيش المغمسة بمرارة واقع يعيشه العمال الفلسطينيون"، مضيفًا أنه كان يعمل في نقل الأثاث في الداخل المحتل، وقد حاول العبور عبر فتحة "فرعون" إلا أنه تعرض لاستهداف مباشر في "جريمة مركبة".
وأوضح أن الاحتلال ارتكب جرائم بحق العمال بالضفة الغربية تخالف القانون الدولي والإنساني، لافتًا إلى أنه يشن حملات اعتقال متواصلة في صفوفهم من الضفة الغربية، بزعم عدم حصولهم على التصاريح اللازمة، وذلك بهدف تضييق الخناق عليهم ومفاقمة أوضاعهم الصعبة.
وبين أن الاحتلال يستخدم القوة والبطش لمنع العمال من الدخول إلى أعمالهم داخل الأراضي المحتلة، مشيرًا إلى أن الظروف الصعبة للشعب الفلسطيني تدفع أكثر من 100 ألف عامل إلى البحث عن خيارات عمل "مرة" في الداخل المحتل، وأن نحو 70 ألفًا يعملون في مستوطنات الاحتلال.
وأكد أن العمال يتحاملون على سوء المعاملة وغياب الحقوق المالية ومتأخرات نهاية الخدمة، وإهمال الصحة والسلامة المهنية بالعمل لأجل "قوت أطفالهم"، مشددًا على أن استمرار الانتهاكات بحق العشرات منهم يستدعي رفع ملف الانتهاكات الإسرائيلية بحقهم إلى المحكمة الجنائية الدولية.