فلسطين أون لاين

عماد عقل.. مشوار جهادي أقضَّ مضاجع الاحتلال

...
صورة أرشيفية
غزة/ فاطمة الزهراء العويني:

عماد عقل.. اسم محفور في أذهان الفلسطينيين على اختلاف مشاربهم نتيجة مشواره الجهادي الذي ضحَّى في سبيله بِراحته وحياته؛ ما جعله المطارَد رقم واحد للاحتلال الإسرائيلي لسنوات انتهت باستشهاده.

ويوافق اليوم 24 من نوفمبر/ تشرين الثاني الذكرى الـ27 لاستشهاد القائد في كتائب القسام-الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية حماس، عماد عقل، الذي نفذ سلسلة عمليات نوعية في وجه جنود الاحتلال من مسافة صفر.

كان مسرح جريمة اغتيال الاحتلال الشهيد عقل عام 1993 في بيت "خنساء فلسطين" أم نضال فرحات التي احتضنته هي وزوجها وأبناؤها مدة عام كامل، حيث كان بيتهم معقلًا له ولرفاقه من مطارَدي كتائب القسام، ينطلقون منه ويعودون إليه في تنفيذ عمليات المقاومة.

يقول حسام فرحات نجل "خنساء فلسطين": "كانت حادثة أليمة؛ إذْ وصل جنود الاحتلال لمكان إقامته عن طريق العملاء، فحاصروا المنزل، وجاؤوا بسيارة مماثلة للسيارة التي كان يتنقل بها رفاق الشهيد عقل المطاردون".

ويضيف: "خرجتُ أنا لاستقبالهم واستغربتُ من أنهم جاؤوا من طريق غير معهود، وسألتهم عن سبب تغييرهم للوجهة، فباغتوني بتثبيتي وتقييدي، فسمعتُ في أثناء ذلك كلامًا باللغة العبرية ينطلق من الحافلة، ورأيتُ "مئير منز" (مسؤول وحدة شمشون التي اغتالت عقل)، نظرتُ حولي، فوجدتُ منزلنا محاصرًا بقرابة 15 سيارة من جيش الاحتلال والوحدات الخاصة الذين أطبقوا عليه كـ"الكماشة" في ثوانٍ".

وأضاف: "في تلك اللحظة خرج شقيقي مؤمن، فرأى الجيش في مقدمة المنزل، فأخبر الشهيد عقل، الذي اعتقد أنها مداهمة عادية للمنطقة فحاول الخروج من البابين الخلفيين للمنزل، فوجد قوات كبيرة من جيش الاحتلال موجودة هناك، فأيقن أنه المستهدف".

وتابع فرحات: "استعد عقل لمواجهتهم، فصلى ركعتين وحمل سلاحه، وودع أشقائي وأوصى شقيقي الشهيد نضال بأن يسدد ديونه ويكملوا من ورائه المسيرة ويثبتون على الطريق، وطلب من مؤمن تحديد مكان الجيش، وأخذ يطلق رصاصه تجاههم، فدخل معهم في اشتباك حتى استشهد تحت شجرة الزيتون في فناء منزلنا".

وداع مُبكٍ

كان وداعه من أصعب الأيام، إذْ لم تُكفكِف أمي وشقيقاتي دموعهن وهن يبكين في أثناء اشتباكه مع جيش الاحتلال، لكن القدر كان سبّاقًا، حيث كان صائمًا قرابة 46 يومًا قُبَيل استشهاده، وأخبر العائلة قُبَيل استشهاده بليلة أنه يشعر بأن أجله قد حان، وَفق فرحات.

وأشار إلى أن العائلة قُبَيل استشهاده بمدة كثَّفت من احتياطاتها الأمنية؛ خوفًا عليه بعد أن أثخن بجيش الاحتلال في عمليته البطولية قرب مسجد "مصعب بن عمير"، حيث قَتَل ثلاثة جنود وسيطر على سلاحهم، فأخذ جيش الاحتلال من لحظتها يقتحم البيوت بشراسة بحثًا عنه.

وعن حيثيات قرار العائلة باستضافة عقل في منزلها، يقول حسام: "لقد ربَّانا والداي على حب الجهاد والمقاومة، وكنا بِعَدِّنا أبناءً نرى ونسمع ما يعانيه المطاردون من عدم وجود مكان يؤويهم، حتى كنا نتساءل عن حالهم في الليالي الماطرة: كيف يقضون أوقاتهم؟ فاقترحنا على والدي أن نستضيف أحدًا منهم في بيتنا".

ويضيف: "وافقت أمي وبشدة على هذا الاقتراح من منطلق أننا يجب أن نضحي كما يضحي هؤلاء المطاردون، وأن من حقهم أن يعيشوا حياة مستقرة، وتتوفر لهم مستلزمات الحياة في مكان آمن".

ويشير إلى أن العائلة عرضت الأمر على أحد شيوخ الدعوة في حركة حماس في المنطقة، فأقسم بأنه كان يود أن يعرض علينا الأمر ذاته، لكنه خشي من رفضنا في ظل تخوف أغلب العائلات من بطش الاحتلال إذا ما آوت المطاردين.

وتواصل الشيخ –وفقًا لفرحات- مع قيادة الحركة التي رشَّحت لنا استضافة عقل الذي عاد من الضفة الغربية المحتلة، حيث كان مطاردًا فيها، ولم يجد مكانًا يأوي إليه، مضيفًا: "كانت بداية تعرفنا إلى عماد الذي لم يكن قد لمع نجمه بعد، وجاء إلينا مرتاح البال بعد أن أدرك بأنه مرحب به من العائلة وأننا مَنْ بادرنا باستضافته".

وتابع: "جلس معه والدي وأخبره بأن المنزل وأهله فداء له، وأنه متاح له أن يفعل ما يريد ويستضيف مَنْ يريد من المطاردين، الأمر الذي ألقى بالطمأنينة في نفسه، فاتخذ من المنزل مقرًّا يجمعه بالمقاومين ومنطلقًا لتنفيذ العمليات، كعملية الشيخ عجلين وغيرها".

"يومها عاد للمنزل مسرعًا، وأمسكتُ بسلاحه الذي ما زال ساخنًا، وطلب مني أن أذهب إلى مسرح العملية، وأستطلع آراء الناس، وأتأكد من عدد قتلى الجنود"، وَفق فرحات، مشيرًا إلى أن منزل العائلة استضاف عددًا كبيرًا من رفاق عماد الذين أسسوا العمل العسكري لكتائب القسام، ومنهم من استشهد: كعبد الرحمن حمدان وعوض سلمي، ومنهم من أُسِر وتحرر في صفقة "وفاء الأحرار"، وآخرون ما زالوا يكملون الطريق من بعد عماد.

ظروف مريرة

ويشير إلى أن عقل مكث في منزلهم قرابة عام، فكان يحدثهم عن الظروف المريرة التي عايشها في أثناء مطاردته بالضفة الغربية، حيث كان يبيت ورفاقه في مغارات الجبال في الخليل.

ووصف عقل بقوله: "رغم الظروف الصعبة والقاسية التي تضج بالتضحية والدماء والأشلاء، فإن عماد كان حنونًا، وبمكانة الأب لرفاقه المطاردين، يعطف عليهم ويتفقد احتياجاتهم دائمًا".

يضيف: "كان يطلب مني شراء اللباس والطعام لرفاقه دون أن يخص نفسه بشيء منها، حتى
إنني ذات مرة قلت له إن حذاءه مهترئ، وإنه يجب أن يستبدله، فقال لي سأشتري بنصيبي في المال رصاصًا، فأنا شهادتي قريبة".

ويشير إلى أن عماد كان قائدًا شرسًا في مواجهة الاحتلال، لكنه هينٌ لينٌ بين رفاقه، متدينٌ يقضي الكثير من وقته في الصيام وقيام الليل، مردفًا: "رغم أنه لم يتعلم في كليات عسكرية فإنه كان قائدًا مبدعًا اكتسب خبرته من ميدان الجهاد".