فلسطين أون لاين

امرأة أبكت رجل "المباحث الطبية" خلال كسر "سلسلة انتشار الفيروس"

بمهمة "شاقة".. الرائد "الحواجري" يتقصى آثار كورونا في البقعة "الحمراء"

...
غزة - يحيى اليعقوبي

أمسك هاتفه المحمول، واتصل بعاملة نظافة أربعينية بأحد المستشفيات، مهمته إخبارها بنتيجة فحصها، بدأ الحديث بعدما قبلت المكالمة الهاتفية وعرف عن نفسه ومهد تدريجيًّا حتى صارحها: "يا للأسف؛ النتيجة إيجابية (مصابة بفيروس كورونا)"، لم تتمالك نفسها، تحشرج صوتها عبر طرف سماعة الهاتف الأخرى، يسمع صوت دموعها، تخرج كلماتها ممزوجة بين الألم والخوف راجية إياه: "ادعيلي يا أخويا"، وكأنَّ كلامها سهم استقر في قلب الرائد في المباحث الطبية حسين الحواجري، حينها أذاب بكاؤها صلابته، وهو يستمع عبر السماعة الخارجية لهاتفه، بقربه زميله، وأجبرتهما على البكاء.

ربما يتخيل بعضٌ أن قلوب رجال الأمن والشرطة قاسية، نتيجة متطلبات العمل والتدريب التي تصقل في النهاية شخصًا صلبًا، لكن الحواجري ذا اللحية الكثيفة، وملامح الشخصية "القوية" الواضحة على وجهه وتعابيره ونبرة صوته، نفسه "الحانية" هي الشخصية الحقيقية التي تتخفى خلف ستار تلك الصلابة، ستعرف ذلك مع حديثك إليه.

تسعة أيام مرت على غياب الحواجري عن عائلته وأطفاله الذي يعمل رئيسًا لقسم المباحث الطبية برتبة رائد، وعضو لجنة تقصي المخالطين لمصابي كورونا على مستوى محافظة الشمال، همه الوحيد محاصرة الفيروس وكسر سلسلة انتشاره، ووقف تغلغله في بلدة بيت لاهيا، يمسك دفتره وقلمه، ويرافق الطواقم الطبية التي تسحب عينات للمصابين والمخالطين.

مهمة "شاقة"

تنتهي مهمة الطواقم الطبية التي تستمر ساعة أو ساعتين (حسب عدد المخالطين) وتبدأ جولة جديدة من البحث والتحري لرجل "المباحث الطبية" لإحصاء كل المخالطين، وسؤال الجيران، ومصادر متعددة للوصول إلى أرقام دقيقة، ثم فرض إجراءات عزل للبيت المصاب، أو الحي، والمنطقة بأكملها، ومطاردة الفيروس.

في إحدى المهمات، تحرك الحواجري مع فريق جمع العينات من مخالطي المصابين، ليلًا، لسحب عينات من عشرين فردًا من مخالطي مصاب، ينبش الحواجري في تفاصيل المهمة في حديثه إلى صحيفة "فلسطين": "تشاهد أمامك، كبار سن، وأطفالًا، فسحب العينة ليس سهلًا، الطاقم الطبي يرتدي ملابس عازلة خاصة، من غطاء وواقي وجه، وأسفل منه كمامة، وقفازين، بعد كل عملية سحب عينة يخلع القفازين ويرميهما".

هذه المرة المشهد من قلب المستشفى "الإندونيسي" الذي يشرف عليه من ناحية تقصي المخالطين: "بدأنا أخذ عينات، من العاملين داخل المستشفى، أبلغوا أحد الأطباء وهو يقف وسط زملائه أن نتيجة عينته موجبة (مصاب بالفيروس)".

في التفاصيل بقية: "لاحظنا فجأة أن الطبيب ومن معه بدؤوا محاولة الهرب خارج أسوار المشفى، لكننا على الفور ذهبنا وحاولنا تهدئتهم وضبط الوضع"، لا يزال ينقل المشهد داخل "الإندونيسي": "مع بدء ظهور حالات الإصابة بمنطقة الشمال، بدأ تجهيز المستشفى "الإندونيسي" لاستقبال حالات وتشكيل لجنة طوارئ".

"الوضع بالمشفى مخيف شيئًا ما، الموظفون ينتابهم الخوف، لاكتشاف مصابين من الممرضين وعمال النظافة، وهناك خطة لتخفيف عدد العاملين، وأخذ عينات أولًا بأول، ويوجد قسم للمشتبه في إصابتهم بالفيروس، وحين تظهر النتيجة يرسل المصاب للحجر الصحي" هذا بعض مما يعيشه.

يوميًّا؛ يتسلم الرائد كشوفات الأسماء، من لجنة مشتركة من وزارتي "الصحة والداخلية"، للتحري عن رقم الجوال، والعنوان، والاتصال إما من طريق "المباحث الطبية" أو "الطب الوقائي" لإبلاغ المصاب وأهله بعدم مخالطة أحد، وحجر نفسه منزليًّا إلى حين حضور الطب الوقائي لأخذ عينات منهم بالتنسيق بين الطرفين، والاتصال على المصاب وأخذ أسماء المخالطين وعناوينهم.

بعد ذلك تبدأ مهمة ليلية شاقة، "أصعب شيء فيها عندما يحدث خطأ في الأسماء، فيأخذ الأمر وقتًا كبيرًا لإعداد سكة الكشوفات إلى مسارها الصحيح، والأمر الآخر عدم تعاون المواطنين خوفًا من الحجر، ورفض التعامل".

لكن هناك طرق متعددة للوصول إلى المعلومات الدقيقة، يقول: "نتواصل مع أكثر من جهة من ناحية المنزل، ويبلغون بالحجر، وتؤخذ البيانات كاملة".

نداء الواجب

استجاب الحواجري لنداء الطوارئ منذ اليوم الأول لاكتشاف حالات خارج مراكز الحجر الصحي، وتقلد مهام مسؤول لجنة مخالطي كورونا بمحافظة الشمال، وبسبب عدد الإصابات الكبير هذا الأمر يتطلب منه جهدًا ووقتًا كبيرين، ويسبب له ضغطًا نفسيًّا، إذ يتابع مع ثلاث جهات مختصة بالمحافظة.

هل تستطيع التواصل مع عائلتك؟، لا شك شخص لا يستطيع النوم إلا ثلاث ساعات ستكون إجابته مختلفة: "أحيانًا، لا أستطيع التواصل معهم، وقد أسرق وقتًا لمحادثتهم هاتفيًّا، أو عبر "الماسنجر" -يرد- "عملنا كبير، ولنا جولات خارجية مع فريق سحب العينات، لتحديد بيوت المخالطين وحجرهم منزليًّا، فيجب أن نحصرها لكسر سلسلة انتشار الفيروس ومحاصرته".

تسعة أيام لم ير الحواجري أبناءه، يعرض نفسه للخطر من مسافة قريبة، رغم اتخاذه إجراءات وقائية، لكن هناك بعض الأشياء تخفف عنه بعده عن أبنائه، يقول: "يتواصل أبنائي معي، ويرسلون رسومات يعبرون فيها عن حبهم واشتياقهم لي".

"رسالتي المهنية وزارة داخلية ومباحث طبية ورجل أمن، أننا نبذل جهدًا كبيرًا، بالتوازي مع جهد وزارة الصحة، فهم جنود مجهولون كذلك، ورسالتنا للمواطنين التزام البيوت وتعليمات وزارة الداخلية"، وبهذا نسدل الستار على قصة أحد رجال التقصي خلف الفيروس، استعرض خلالها كواليس يعيشها هؤلاء الرجال، فحينما ترى مركبات الشرطة ترافق مركبة طبية تصطف أمام أحد المنازل، عليك النظر إلى رجل يحمل دفترًا ويدون الأسماء، فهذا الرجل "جندي مجهول" يتحمل مسؤولية كبيرة في كسر سلسلة الفيروس.