لوحاتها تحلق في سماء "برلين"

حوار "عزة الشيخ أحمد".. بروح "بيكاسو" تخرج "عن المنطق"

...
الفنانة عزة الشيخ أحمد من قطاع غزة

 

أؤمن أن الفن مسؤولية تقع على عاتق الفنانين لإيصال رسالة الشعب للعالم

بقلم الحبر أنسج لوحات تجريدية بـ"الأبيض والأسود"

لوحاتي الفنية تمثل "إرثًا" للأجيال القادمة

غزة/ يحيى اليعقوبي:

"ذاك الرحال يشابه أبي.. في الحقيقة أنا أكبره بأعوام ولكنني أستشعر بأنني أخته الصغرى.. ذاك الرحال هو أخي يحب السفر ما بين حيفا والرملة وقد أوصيته بأن يمر بالمجدل ليرسل لها مني سلامًا وألف قبلة؛ ويسألها عن شال "ستي" الذي ضاع مع عقال جدي (ذاك الملثم)... وفي طريقه؛ فليأتِ لي بحبة برتقال قد امتلأت عن آخرها باللون البرتقالي المشبع فهي تضاهي الشهد بحلاوتها ولربما أكثر.

أيها الرحال الهائم الحائم انثر لي قصص المعسكر.. القرى.. الضواحي.. المدن والمخيم.. وأخبر كل من مررت بهم بأن زنبقة حزينة جالسة على ضفاف "الميت" كما متيم".

النص السابق الذي رافق لوحة رسمتها مؤخرًا، أنسب فاتحة لحوار صحيفة "فلسطين" مع الفنانة التشكيلية عزة الشيخ أحمد من مدينة غزة، في الصورة؛ المرأة تضع يديها على قدميها تمثل فلسطين، تبدو حزينة بلا فم، شعرها مزخرف، أعلى منها حمامة مقيدة أسفل غصن شجرة، تعلوها حمامة أخرى تحاول الطيران تبحث عن الحرية، الشمس المزخرفة تبدو جميلة، السواد يحيط بالبيوت حولها، تعبر عن وضع الشعب الفلسطيني الحالك.

تحترف الشيخ أحمد (39 عامًا) الفن التشكيلي وتختص في مجال التصميم لكن هذا التصميم من نوع مختلف تبدو الصورة أمامك وكأنها طبعت على جهاز الحاسوب باستخدام برامج الرسم، لكنها في الحقيقة رسمت بأقلام "الحبر"، تتناول لوحاتها التراث الشعبي الفلسطيني، بتحوير العناصر وإضافة حداثة تجاري العصر؛ تحاول أن تكون مثل "بيكاسو" في روح عربية، وبالروح الفلسطينية بالأخص.

في لوحاتها، السيدات جميلات ممشوقات القوام، ذوات عنق طويل، الشعر الأسود الفاحم الطويل، العينان واسعتان، الثوب الفلسطيني المزخرف والمطرز بعناية، تستحضر عناصر الرسم من البيئة الفلسطينية، وتكاد لا تختفي الشمس الموشحة بالزخارف من لوحاتها، لكنك في كل مرة ترى الشمس مختلفة، ترى الباب القدم، والبيت الفلسطيني، والإبريق، الحمامة لديها "مقدسة" تمثل "السلام" والمرأة في لوحاتها إما تمثل "غزة" وإما تمثل "فلسطين".

الفخار كموروث تراثي ورثه الشعب الفلسطيني عن آبائه وأجداده حاضر في تلك اللوحات، أشجار الزيتون، والبرتقال، الحصان، الجمل، البحر، السمك، لكن تختلف الصياغات.

استضافتنا الشيخ أحمد في مقر مكتبها بوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" بمدينة غزة فهي تعمل مشرفة تربوية بالوكالة، تطل من نافذة مكتبها المتواضع على أشجار وورد، وجو ملهم لأفكار يزيد جمالها صوت العصافير، وهدوء المكان.

منافسة عالمية

"في الفن التشكيلي بالذات تخصص التصميم، يكون عملك مثل مهندس فيجب أن يلجأ للورقة والقلم، فإذا صاغ التصميم جيدًا تخرج اللوحة جميلة".. من هنا تستهل حديثها.

من طفلة كانت تشارك لوحاتها كأفضل طالبة رسم في المدرسة، في المسابقات المدرسية التي تخص الرسم، بعض رسوماتها أرسلت لليابان، نمت الموهبة، وكبرت في داخل الشيخ، شجعها أهلها وفجروا طاقتها الإبداعية، فدرست التربية الفنية (بكالوريوس)، وعملت بمدارس الحكومة ثم "الأونروا"، وأصبحت مشرفة تربية فنية بالوكالة، وحصلت على ماجستير مناهج وطرق تدريس من الجامعة الإسلامية.

"الفنان دائمًا، متأثر بمشاعره، قد يكون حزينًا فينعكس ذلك على اختيار لوحته، فقد أرسم لمدة ربع ساعة، أو ساعة، أو أتركها لفترة أطول ثم أعود لاستكمالها، فعندما يكون هناك طاقة تدفعني للرسم فأرسم، بشكل مستمر، وطاقة أكبر".. إضافة لذلك هناك أمور نفسية أخرى بأن "يتم تقديرك وتقدير عملك والنظر إليك باحترام، فتطورت وأصبح لدي اسم وبصمة".

الأبيض والأسود

لماذا ركزتِ على الأبيض والأسود؟ "بدايتي كانت ملونة، حتى أنني نظمت معرضًا للوحاتي عام 2009م بعنوان "حكاية غزة" وكانت ملونة"، ترد: "عرضت فيه 30 لوحة، ما زلت أحتفظ بها وكانت بحجم متوسط".

انقطعت الشيخ فترة عن الرسم، لكن شغفها في الفن أعادها من جديد، وبدأت مرحلة أخرى بلوحات "الأبيض والأسود"، "ناس كتير حبَّت الأسلوب والشغل".. هذا مثل دافعًا إضافيًّا جعلها تواصل الأبيض والأسود، فشاركت في عشرات المعارض المحلية والخارجية وحلَّقت لوحاتها في سماء بلدان عدة.

رسوماتها تعج بالعناصر الملونة بالأبيض والأسود، مزخرفة بتفاصيل دقيقة، نسجت الشيخ لوحاتها باستخدام قلم الحبر الأسود فقط، فقد تستمر اللوحة بين يديها عدة أيام، رسمت بذلك 50 لوحة، في كل لوحة تنسج قصة وحكاية شعب مختلفة؛ تخوض فيها معركة فنية تنتهي بين يديها ما لا يقل عن سبعة أقلام حبر قبل أن تجف أحبارها.

لتخفيف الجهد العضلي المبذول راودتها فكرة أن تطلي المساحات الفارغة بالاستعانة بعلب الحبر ذاتها، "وقد أخرج العام القادم بشيء جديد، يكون الرسم هنا في منتهى الدقة حتى لا تظهر ضربات القلم".. إضافة لما قالته، تستخدم أقلام حبر سميكة لتغطية مساحة أكبر من الرسم.

تشعر كذلك أن الفن: "همٌّ ومسؤولية تقع على عاتق الفنانين، وقضية يحاربون فيها لإيصال رسالتنا بالكلمة والريشة، فلا أملك إلا فرشاة وقلم حبر أو رصاص؛ منها أوصل رسالة للعالم أننا أصحاب أرض وحق، فندافع عن تراثنا، عن شيء أساسي وقضية ثابتة لنا".

"أشعر المشاهد أننا الفلسطينيين ننافس على الحداثة والعالمية، ولولا أن غزة محاصرة، يفترض أن تنافس لوحاتنا حتى تصل العالمية، وتنتشر ويكون لها صدى إعلامي"، هكذا تغدو نحو حلمها لتصل لوحاتها إلى حيث لم تصل هي، لعل ذلك يخفف وقع تأثرها بالحصار وعدم قدرتها على السفر.

"حكاية شعب"

وإن لم تستطِع الشيخ أحمد الخروج من غزة المحاصرة بمن فيها؛ فإن لوحاتها حلقت في سماء مدينة "برلين" بألمانيا، وتستعد خلال أيام لتنظيم معرضها الثاني بعنوان "حكاية شعب" بعدما كبرت الحكاية في رسوماتها ولم تعد حكاية "غزة" فقط.

ستطلع الشيخ أحمد الجمهور الألماني والعربي على تجربة بصرية ببساطة تعبيرية تحكي فيها حكايات الشعب الفلسطيني وتراثه وكثيرًا من "المشاعر الحقيقية والصادقة في صياغة الحكاية"، تعلق: "آمل أن يلاقي المعرض صدى كبيرًا، فالرسالة ليست غزة، بل رسالة شعب بأكمله أريد أن تصل إلى العالم أن غزة محاصرة، تستحق الحياة، وأننا من لا شيء نصنع كل شيء".

تقلب هاتفها المحمول، تعرض صورة من آخر أعمالها لأسرة ولكن بطريقة تجريد العناصر وبالألوان، تلمح فيها الزخارف، والقباب، والحمام، وأبوين يحتضنان طفليهما، تترك تعليقًا هنا بلهجة عامية: "الأجانب بنبسطوا هيك لما يشوفوا شغلات عربية، بتحس في نوع من التجريد وتبسيط العناصر".

تزيد في شرحها: "السيدة عنصر مهم في احتواء الأسرة، تعبر عن التكافل الاجتماعي".

تنتقل للوحة أخرى أمامك أشياء كثيرة مبهمة، طائر، حمام، غراب، تكدس مباني، ألسنة لهب، الصعود للسماء، تفسر: "في الرسم العالمي، يفضلون الشيء "المشفر"، تكون رؤيتك تختلف عن الآخر، فقد يراها مليون شخص لكن كل واحد منهم له طريقة تختلف عن الآخر".

تضع أصبعها على شاشة الهاتف، ليستقر على "الغراب": قائلة: "هذا يرمز للاحتلال" ورغم أن رؤيتها للوحة هكذا قد يختلف تفسيرها من شخص لآخر، في اللوحة كذلك الشخوص واقفة بصمت، لتدلل على الحزن، الإرهاق، التعب، وتكدس المباني، والصراع مع الاحتلال، تمثل غزة المحاصرة.

"صوت خرير الماء فوق الزنبقات اليانعات، وذلك الغراب يتبختر على أنقاض جرح، آلاف الوريقات اليانعات تعتلي ربوع الشجر، وريح زهر يتسلل إلى أنفاسي"، أرفقت الشيخ أحمد هذا النص مع صورة خمار (برقع) على وجه سيدة "بدوية" بجوارها خريطة فلسطين مزخرفة بأسماء المدن والقرى الفلسطينية، وبعض صور القباب، فاجتمع هنا جمال النص والصورة.

لا تخلو حياتها من الصعوبات، وأولها "استهتار المجتمع، فأوقات أشعر أني مقيدة".. تعرض جانبًا من معاناتها: "فتخيل لا يوجد لدي مرسم أستضيف فيه فنانين أجانب، فأضطر للرسم في ركن خاص بمنزلي، قد تقلص مصاريفك المادية لأجل الرسم، وأنك لا تستطيع المشاركة عالميًّا".

إرث فني

"أرسم وأشعر بسعادة أن هذه اللوحات ستكون "إرثًا" للأجيال القادمة: يومًا ما سيكون هناك صدى سيرى أحدهم هذه الرسومات".. لدى الشيخ أمل بالغد، رغم الحصار الذي ألقى بأوتاده على حياة الفنانين في غزة، ممنية النفس بأن "تصبح هناك لقاءات وتبادل خبرات؛ ويصبح لديها متحف يضم أفضل الأعمال الفنية".

"لوحاتك قيمة، صحيح أنت مش مقدرة بغزة؛ لكن شغلك عالمي"، هذا الكلام وجهه لها الفنان الكويتي طالب دويك، الفنان والنحات الفلسطيني بألمانيا أحمد شمة يستعد لتنظيم معرض لها بألمانيا، فهو يرى عملها بـ"مستوى عالٍ من الإبداع، يستحق عرضه بمعرض".

لماذا "بيكاسو" الملهم؟ "أسلوب بيكاسو، الخروج عن المنطق وتقليص عناصر وإضافة أخرى"، تزيد في ردها: "ومثله قد أرسم سيدة دون يدين، أحاول المبالغة في أمور وحذف عناصر أخرى، وهناك غاية من ذلك بشكل مدروس، هناك ترابط بين الألوان، أي عنصر أعرف أين أضعه، بشكل منسق ومدروس".

في نظر الشيخ أحمد فإن "الفنانين الفلسطينيين يمتلكون إحساسًا عاليًا، يستطيعون المنافسة عالميًّا"، لكن هذا يتطلب أن يفتح لهم نافذة، يطلون فيها على العالم، يبحثون عن الأمل، عن إنهاء الحصار والانقسام الفلسطيني، وأن تنقشع غمامة "تذهب هذه الصورة السوداء".

المصدر / فلسطين أون لاين