فلسطين أون لاين

احتلال إسرائيلي آخر

...

لم يتردّد زعيم حزب العمال البريطاني، كير ستارمر، طويلاً قبل طرد وزيرة التربية في حكومة الظل العمالية، النائب ريبيكا لونغ بيلي، بسبب مشاركتها مقالاً منشوراً في منصات الإعلام الاجتماعي، جاء فيه أن (إسرائيل) درّبت الشرطة الأميركية على استخدام أسلوب الخنق بالضغط على الرقبة بالركبة، كما حدث بحق جورج فلويد. اعتبر ذلك سقوطاً في "نظرية المؤامرة المعادية للسامية"، وأراد، بقراره هذا، تأكيد تصميمه على منع أي ممارساتٍ تشوبها شبهات "معاداة السامية"، التهمة التي طاردت زعيم الحزب المُنصرف، جيرمي كوربين، وآخرين ممن أغضبوا اللوبي الداعم لـ(إسرائيل) في بريطانيا. ومعلومٌ أن ستارمر يتبنّى التعريف الجديد الكامل لمعاداة السامية، ويؤيد تغيير النظام الداخلي للحزب، بحيث يسمح بالطرد التلقائي لأي حزبي يتبنّى أفكاراً أو مواقف لا سامية، وقد بادر، فور فوزه بزعامة الحزب في إبريل/ نيسان الماضي، إلى تقديم اعتذار رسمي للجاليات اليهودية التي "تأذّت من سلوكياتٍ معاديةٍ للسامية داخل الحزب"، حسب تعبيره، متعهداً بالقضاء على هذه الظاهرة التي وصفها بأنها "مثل السم".

لا يخفي الزعيم والمحامي دعمه (إسرائيل)، ورفضه مقاطعتها، وقد قال، في أثناء حملته للفوز بزعامة الحزب، إنه يؤيد الصهيونية "بدون حدود". وفي مقابل ذلك، يرفض إبداء أي موقف صريح بشأن حقوق الشعب الفلسطيني، بل إنه رفض تسلُّم عريضة من ممثلي "حملة التضامن مع الشعب الفلسطيني" تتضمن تأكيد حق العودة. وتعهد أيضاً، في الحملة الانتخابية، بتبنّي جميع مطالب تجمّع النواب اليهود في بريطانيا، الممثل الوحيد للجاليات اليهودية في البلاد، ومن هذه المطالب السماح بتحقيقات مستقلّة في تهم "معاداة السامية والطرد المباشر لكل من يشتبه في أنه معاد للسامية". وتقديراً لمواقفه هذه، حاز ستارمر ثقة اللوبي الصهيوني البريطاني وتمويله، إذ تبنّى رجل الأعمال تريفور تشين حملةً بين أثرياء مؤيدين لـ(إسرائيل) لجمع آلاف الدولارات، لتمكين ستارمر من الظفر بقيادة حزب العمال.

ويرى المراقبون أن ستارمر أراد من طرد لونغ بيلي تسجيل ثلاثة أهداف من ضربة جزاء واحدة. التخلص أولاً من بقايا اليسار القديم وحلفاء الزعيم السابق، جيرمي كوربين، وملء المقاعد الأمامية في قيادة الحزب من أنصاره. ثم طمأنة داعمي الحزب ومموليه إلى أنه حريص على قيادة حزب العمال، ليصبح حزباً حكومياً موثوقاً به للمؤسسة النيوليبرالية، وأقرب في أفكاره إلى البليرية (نسبة إلى توني بلير). وأخيراً، طمأنة اللوبي المؤيد لـ(إسرائيل) إلى جدّيته على تطهير الحزب من "اللاسامية" التي نمت داخل الحزب خلال قيادة جيرمي كوربين، مع إصرار على تنفيذ وعده "بعدم التسامح المطلق" مع معاداة السامية، ما يعني، في الواقع، عدم التسامح مطلقاً مع أي شخصٍ في حزب العمل قد يعادي اللوبي الإسرائيلي والحكومة الإسرائيلية. وفي موازاة ذلك، توجيه تحذير استثنائي إلى وزراء الظل الآخرين بالانضباط لقيادته والتزام الخط الجديد للحزب، وإلا فاللحاق بالوزيرة لونغ بيلي، التي عارضت خطة (إسرائيل) لضم أراضٍ من الضفة الغربية.

وقد عدّ الكاتب الإسرائيلي، جدعون ليفي، في موقع ميدل إيست آي، طرد لونغ بيلي، انتصاراً جديداً للدعاية الصهيونية، وجماعات الضغط المؤيدة لـ(إسرائيل) في أوروبا والولايات المتحدّة، بعد أن أجبرت بلدان العالم على تجريم أي نقدٍ يوجه إلى (إسرائيل)، بما في ذلك انتقاد الاحتلال وما يقترفه من جرائم وانتهاكات للقانون الدولي.

الابتزاز الصهيوني الذي أقصى لونغ بيلي، وأطاح جيرمي كوربين وعمدة لندن الأسبق كين ليفنغستون، وآخرين، بات جائحة عالمية، لا يسلم من شرّها حتى اليهود المنتقدين لـ(إسرائيل)، إذ يقع وصمهم بـ"اليهود الكارهين أنفسهم". إنه "احتلال من نوع آخر"، بتعبير أستاذ للإعلام والاتصال في جامعة ماساتشوستس الأميركية، قال، في تعليق ورد في الفيلم الوثائقي "احتلال العقل الأميركي"، إن ما يجري احتلال آخر لوسائل الإعلام، واحتلال للعقل الأميركي بسرديات مؤيدة لـ(إسرائيل)، تُعْمي عيون الناس عن أفضل حل للصراع: إنهاء الاحتلال.

المصدر / العربي الجديد