الاحتلال يحرمها من الصلاة فيه

"الرجبي".. نافذة منزلها خيارها الوحيد لرؤية الأقصى

...

غزة / القدس - آلاء المقيد

يُكابد الحنين فؤادها لرائحة الأقصى وهوائه، ومائه وترابه لكن ثمة ما يمنعها من الذهاب إليه, فما حِيلة المشتاق إذًا إن كان البُعد عن مكانٍ ألفه المرء كظله قرارا ليس له يد فيه؟.

المرابطة سناء رجبي أم عمار (46عاماً) هي ممنوعة من الدخول إلى الأقصى, تنظر إلى المسجد كل يومٍ من نافذة بيتها تجهش بالبكاء ولا أمنية سوى: "أن تصدح بالتكبير في ساحاته", فهو أصل الحُبّ وأول الحكاية.

"ذكريات الطفولة

"تعيش الرجبي (أم عمار) مع عائلتها في حي البسطامي بالبلدة القديمة في مدينة القدس, وذكريات الطفولة حاضرة معها في كل حين، تقول في حديثٍ لـ"فلسطين": "لم أتخيل في يومٍ من الأيام أن يمنعني أحد من دخول أحب الأماكن إلى قلبي, فمنذ طفولتي كنت أعيش مع أهلي في باب المغاربة بجانب المسجد الأقصى من الجهة الغربية, أذهب مع صديقاتي يومياً إلى المسجد للصلاة وقراءة القرآن واللعب في ساحاته ودورات أحكام التجويد, بمعنى أنني عشت سنوات طفولتي في المسجد الأقصى أكثر من البيت".

وكلما تكبر أم عمار يوماً كانت تمتلئ بحب الأقصى عمراً آخر, حتى ورثت هذا الحُب لأبنائها فأصبحوا يتنافسون على الرباط فيه, ويتشاركون تفاصيل حياتهم في باحاته فهو بيتهم الكبير وفقاً لوصفها, وتردف: "الحُب الذي تربيت عليه ورثته لأبنائي فوجودهم في المسجد الأقصى شبه دائم, وكلما سنحت لي الفرصة ذكّرتهم أننا نحن الذين نحتاج الأقصى وليس هو من يحتاجنا".

"الأقصى بيتنا الكبير"

ومن شعاراتها الدائمة لأبنائها: "أن المسجد الأقصى هو البيت الكبير, والذي نسكن فيه هو بيتنا الصغير, فإذا حُمي البيت الكبير حُميتم, إذا ضاع منا لا وجود ولا قيمة لنا في هذه الحياة" ولم يقتصر عقاب الاحتلال على المرابطة أم عمّار وحدها , بل طال ليشمل عائلتها، وتقول في ذلك:" العقاب لم يقتصر على الإبعاد بل هددوني بمصادرة أطفالي الصغار مني وضمهم إلى مؤسسات داخلية لديهم في حال حاولت دخول الأقصى أو أروقته, واعتقلوا زوجي وكسروا أثاث البيت, واعتقلوا ابني البكر عمار (26 عاماً) وما زال معتقلا لديهم, وكذلك ابني حمزة (14 عاماً)".

وتُشاطر هديل (12عاماً) أمها في حب الأقصى, فمنذ نعومة أظافرها وهي تذهب معها إليه, تُمارس تفاصيل يومها في باحته, فمنعها الاحتلال من الدخول إلى المسجد الأقصى عدة مرات, وتعرضت للاعتداء أكثر من مرة بتهمة التكبير في ساحاته أمام المستوطنين.

وبنبرةٍ يعتريها الحزن تتابع أم عمار: "عام كامل إلا شهرا ممنوعة من دخول المسجد الأقصى وأنا لا تفصلني عنه سوى عدة أمتار, فهو أمام ناظري في ذهابي وإيابي , وما حليتي إلا أكحل عيوني بالنظر إليه يومياً من نافذة وسطح المنزل".

"لم أتخيل البعد"

ويأتي قرار المنع هذا وهو العاشر ليُمكّن حُبّ الأقصى في أعماقها أكثر, وتستذكر مع فلسطين شعورها عند أول قرار منع اتُّخذ بحقها: "حينها لم أتخيل نفسي بعيدة عنه وعن ساحاته وترابه وهوائه شعرت بغصّة كبيرة حينها, لكنني لم أستسلم ورابطت في باب السلسلة مع أخواتي المبعدات نقضى ساعاتٍ طويلة فيه كونه من أقرب الأبواب إلى المسجد الأقصى ويُعد مكانا لتجمع المبعدات".

ويُعد التواجد في المسجد الأقصى والانتماء إلى تنظيم محظور تهمة تُعاقب عليها سناء الرجبي والعشرات من نظيراتها المرابطات، وتشير إلى أن القرار الأخير كان مجحفاً في حق المرابطات حيث إن الاحتلال منعهن من الدخول إلى الطرق والأبواب التي تؤدي إلى المسجد الأقصى فيما تعودن في قرارات المنع السابقة على الجلوس عند باب الحطّة وهو أقرب الأبواب إلى الأقصى والرباط هناك في محاولة لرفض قرارات الاحتلال العنصرية بحقهن قائلةً: "أبعدوا أربع مرابطات عن البلدة القديمة وليس المسجد الأقصى فحسب, بهدف تفريقنا عن بعضنا ومنعنا من التجمع".

ومن المفترض أن ينتهى القرار الجائر في 28/8/2016م لكن إدراج اسمها على "القائمة السوداء" يجعل إمكانية عودتها إلى المسجد الأقصى ليست أكيدة.

لم أكن أعلم أن سؤالنا عن طقوس رمضان في المسجد الأقصى سيكون موجعاً لفؤاد أم عمار, صمتت برهةً ثم تنهدت طويلا وأكملت: "شيء لا يُوصف حقاً , كنت أذهب مع أبنائي ونفطر في ساحات المسجد الأقصى ونُصلي هناك , ونُحيي ليلة القدر فيه , ونمارس كل طقوس رمضان فيه , أما الآن فلا أستطيع الوصول إلى الأبواب المؤدية إليه".

مضى رمضان الماضي وعيد الفطر على أم عمارّ دون أن تكون في المكان الذي تُحبه وسيمضى رمضان هذا عليها وهي محرومة منه ومن أجوائه التي تزِن الأرض ومن عليها بجماله.

وتقول في ذلك: "يذهب أبنائي إلى المسجد الأقصى يُصلون فيه, ويحيون ليالي رمضان في باحاته , يعودون ليُحدثوني عن تفاصيل يومهم فأستمع إليهم وقلبي يعتصر ألماً وشوقاً إليه ولا يكون بوسعي إلا أن أطلّ عليه من نافذتي وأتأمل قبة الصخرة والمسجد وأجهش بالبكاء. ماذا تتمنين في تلك اللحظة ؟! :" أتمنى أن أذهب إلى المسجد الأقصى وأكبر بأعلى صوت في ساحاته , حيث كانوا يمرون من أمامنا ويسبون الرسول صلى الله عليه وسلم ويشتمونه , ليستفزوا مشاعرنا فنصدح بالتكبير في وجوههم," الله أكبر" تُرهبهم وتغيظهم كثيراً".

"أحنّ لمائه وهوائه وترابه وباب الرحمة الذي كنا نُصلي فيه كي لا يكون مهجوراً من المسلمين ويستغله المستوطنون لهم ".. بهذه الكلمات ختمت المرابطة أم عمار حديث شوقها وحبها للمسجد الأقصى .