فلسطين أون لاين

عندما يكيل "فيسبوك" بمكيالين

أثار موقع التواصل الاجتماعي الشهير "فيسبوك" موجة غضب لدى النشطاء الفلسطينيين واتهموه بـ"معاداة" المحتوى الفلسطيني والانحياز لـ(إسرائيل)، حيث بدأت إدارة الموقع بحذف المنشورات المختلفة والصور والفيديوهات، وصولًا لحذف صفحات فلسطينية وحسابات لنشطاء، وأكثر من هذا دأبت على إرسال تهديدات وتبليغات لنشطاء على تعليقات لهم في إطار اتهامهم بالتحريض، ولا مبرر لذلك سوى الاستهداف الواضح.

المؤسف في الأمر عندما يكيل الموقع بكيالين بتعامله مع المحتوى الفلسطيني بطريقة مختلفة عن المحتوى الإسرائيلي، ويغض الطرف عن محتوى تحريضي تبثه صفحات إسرائيلية، ففي الوقت الذي يضيق فيه على المحتوى الفلسطيني، لا يلقي بالًا لمنشورات التحريض من الإسرائيليين التي بلغ معدلها منشورًا تحريضيًا واحدًا كل 47 ثانية وفقًا لعدد من الدراسات والأبحاث المحلية.

سلطات الاحتلال كعادتها تخلق على مقاسها الحجج والمبررات الكاذبة لقلب الحقيقة وتظهر أنها الضحية ولعبت دورا تمثيليا قذرا بإقناع إدارة الموقع أن التحريض من جانب واحد، حيث أظهرت "خطورة التحريض الفلسطيني الممارس" على مواقع التواصل الاجتماعي لا سيما الموقع نفسه "فيسبوك" في "زيادة وتيرة الهجمات الفلسطينية" ضدها، ودعت إدارة تلك المواقع للتدخل الفوري ضده، مستغلة في ذلك تفاهمات سابقة أبرمتها مع إدارة موقع "فيسبوك" لإغلاق وإزالة محتويات فلسطينية تدعي أنها تحمل مواد تحريضية ضدها.

لا شك أن "فيسبوك" هي شركة تواصل اجتماعي أمريكية الاصل ومعروف تواطؤها وانحيازها التام للاحتلال الإسرائيلي وبالتأكيد تتبع هي بذلك سياسة إدارة بلادها التي تعتبر من أشد الإدارات الأمريكية صهيونية على الإطلاق وتعمل جاهدة على تصفية القضية الفلسطينية، والأن موقع "فيسبوك" يكمل هذا الدور بمحاربة أي محتوى لا يرضي (إسرائيل) سواء أكان فلسطينيًا أو حتى عربيًا، كما أنه لا يميز بين حق الشعب الفلسطيني في النضال السلمي من خلال حرية التعبير وما بين إرهاب الاحتلال وقطعان مستوطنيه، كما يتجاهل حق الشعب الفلسطيني الخاضع للاحتلال بالمقاومة بالطرق المشروعة دوليًا، بل يعتبر انتقاد الاحتلال الإسرائيلي لجرائمه التي يرتكبها ضد الشعب الفلسطيني تحريضًا ومسألة غير مقبولة.

ليست المرة الأولى التي يغلق فيها "فيسبوك" منصات فلسطينية ويحذف محتوياتها دون سابق إنذار ودون وجه حق، فخلال عام 2013 حذف 200 صفحة وحساب فلسطيني، في حين ارتكب أكثر من 100 انتهاكًا للمحتوى الفلسطيني خلال شهرين فقط من عام 2018، بينما ورد أكثر من 27 ألف مرة كلمة "اقتل الفلسطينيين" عبر "فيسبوك" خلال عام 2017، ومن بين أكثر 10 صفحات إسرائيلية نشطة على "فيسبوك" 6 منها تعود لمسؤولين يحرضون على قتل الفلسطينيين، ورغم كل ذلك لم يتخذ "فيسبوك" ضدهم أي إجراءات عقابية أو حتى مجرد تحذير لنقول فيه كلمة حق بأنه يلتزم بالحيادية والمصداقية في التعامل، ومثال على ذلك، فقد أغلق "فيسبوك" أشهر محتوى فلسطيني وهو الصفحة الرسمية لحركة فتح مطلع العام الماضي 2017 بعد نشر صورة للرئيس الراحل ياسر عرفات يحمل بندقية لجندي إسرائيلي تم اختطافه في لبنان في حينه.

إن مثل هذا الإجراء أحادي الجانب بإغلاق "فيسبوك" عشرات الحسابات بدعوى التحريض علما أن ما نشر عليها بعيد كل البعد عن التحريض بحسب المعايير العالمية، والدليل على ذلك لم تفعل أي من وسائل التواصل الاجتماعي الأخرى مثل ما فعله "فيسبوك" ضد صفحات فلسطينية، لكونها تتعلق بمناهضة الاحتلال وانهاء الحصار أو الدفاع عن الأسرى والاقصى واللاجئين وحق العودة أو ضد التهويد والاستيطان أو طلب الحرية والاستقلال والتحرر من عبودية الاحتلال.. هل في هذه المطالب بل الحقوق التي أقرها القانون الدولي الإنساني ما يزعج "فيسبوك"؟! ولماذا لم تقُم إدارة الموقع بذات الإجراء والمعاملة بالمثل لعشرات الصفحات الإسرائيلية التي تعج بالتحريض بشكل علني على قتل الفلسطينيين، وحتى قتل الصحفيين، ولم يغلق أو يحذف أيًّا منها؟!

بناء على ما سبق فإن إدارة "فيسبوك" تنتهك حق النشر وحق التعبير، بإغلاق وحذف صفحات ومحتويات لحسابات فلسطينية، والمجحف في الأمر أنها دون سابق إنذار، ويعتبر هذا مخالفًا تماما للمادة ١٩ من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية وأقرها كل من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وكذلك القانون الدولي الإنساني، التي تنص على ما يأتي: "لكل إنسان حق في اعتناق آراء دون مضايقة"، وأنه "لكل إنسان حق في حرية التعبير. ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى آخرين دونما اعتبار للحدود، سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو بأي وسيلة أخرى يختارها".

على ما يبدو أن "فيسبوك" يضرب هذه الاتفاقيات الدولية بعرض الحائط، بانحيازه للاحتلال، ويكيل بمكيالين ما يجعله فاقدا للمصداقية والمهنية وقد يؤثر سلبا على سمعته ومستقبله، خاصة في العالم العربي المتحمس للقضية الفلسطينية، لذا لا بد من أخذ الأمر محمل الجد بتشكيل فريق مختص بالدفاع عن المحتوى الفلسطيني على الإنترنت لأن (إسرائيل) تسخر طاقاتها للتحريض على المحتوى الفلسطيني بقلب الحقائق وتجميل صورتها أمام العالم، فلا يكفي الحملة الإلكترونية التي أطلقت حديثًا وحظيت بتفاعل واسع من النشطاء الفلسطينيين على منصات التواصل الاجتماعي المختلفة تحت وسم (FBfightsPalestine#) وتضمنت انتقادات لـ"فيسبوك" وسياساته بحق المحتوى الفلسطيني، بل أيضًا يجب إعداد خطة لحماية المحتوى الفلسطيني من "التحريض" الإسرائيلي، والتواصل مع إدارة الموقع العالمي وتوقيع اتفاقيات معه، لأهمية وسائل التواصل الاجتماعي الأكثر سرعة في توصيل الخبر بالكلمة والصوت والصورة.

--