لا يمكن فصل تداعيات نقل السفارة الأمريكية من (تل أبيب) للقدس المحتلة غدا، عن الحراك المليوني الذي يخطط له الفلسطينيون لإحياء الذكرى السبعين للنكبة الفلسطينية، وهو الحراك الذي وضعوا له أهدافا عدة أهمها التأكيد على حق العودة، وإسقاط صفقة القرن التي تهدف لتصفية قضية اللاجئين، وكسر الحصار عن غزة، وهي أحداث لا يمكن التنبؤ بما قد تحمله من تطورات في مرحلة مفصلية في تاريخ الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي.
أمام ذلك، يرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة الأزهر د. مخيمر أبو سعدة، أن قرار نقل السفارة من وجهة النظر الأمريكية يهدف لحسم ملف القدس كقضية من قضايا الحل النهائي وأن يصبح ملفا منتهيا.
واعتبر قرار نقل السفارة الأمريكية من (تل أبيب) للقدس يدعم الرواية والفعل الإسرائيليين على الأرض بأن القدس عاصمة الدولة اليهودية، دون أي اعتبار للحقوق الفلسطينية في المدينة المحتلة وفقاً لقرارات الأمم المتحدة.
وأضاف أبو سعدة لصحيفة "فلسطين": "الخطورة في الأمر أن نقل السفارة لن يقتصر على أمريكا، بل هناك دول أخرى مثل رومانيا وتشيك سوف تقدم على ذلك، والأمر الآخر هو أن ردة الفعل العربية باهتة وأقل من المتوقع.
وأشار إلى أنه عندما قرر الاحتلال عام 1980 إعلان القدس عاصمة له، اتخذت الدول العربية قرارا بمقاطعة أي دولة تقوم بنقل سفاراتها من (تل أبيب) للقدس، إلا أن أمريكا اليوم لم تواجه بأي رد فعل عربي ولم تواجه الدول التي تنوي نقل سفاراتها للقدس كذلك بردود فعل عربية وإسلامية.
ويعتقد أبو سعدة أن المشهد سيكون له ما بعده غدا وبعد غد، ولكن ليس فقط لتداعيات نقل السفارة الأمريكية للقدس، فالجميع شاهد لحظة إعلان القرار الأمريكي في السادس من ديسمبر/ كانون الأول 2017، والمستوى المتواضع من الاحتجاجات العربية باستثناء التظاهرات في غزة والضفة.
وبين أن مسيرات العودة في 14 و15 مايو الجاري ليست لموضوع نقل السفارة فقط، بل هي رسالة غضب على نسيان قضية اللاجئين وعدم إيجاد حل لها، ورسالة غضب لعدم إنهاء الاحتلال وثمن تكلفته العالية التي يدفعها الفلسطينيون من دمائهم، معتقدا أن هذه الأيام مفصلية في الصراع.
3 سيناريوهات
ويقدر أبو سعدة أن الأمور ستتجه نحو ثلاثة سيناريوهات: الأول استمرار التظاهرات بوتيرة أقل بعد 15 مايو، أو تدخل المجتمع الدولي في ظل وجود حراك إقليمي كبير يحاول منع مسيرة العودة من قطع السياج الفاصل مقابل ثمن سياسي قد يكون متواضعا، والثالث وهو الأكثر سوءًا انزلاق الأمور باتجاه تصعيد عسكري وعدوان إسرائيلي جديد على غزة.
وعن مدى قدرة الجماهير الفلسطينية على التصدي لعملية نقل السفارة، قال أبو سعدة: "حجم الجماهير التي ستخرج ستحدد إن كانت ستفشل ذلك أم لا، لكن الأمر لا يقتصر على حجم الجماهير بل يحتاج إلى تحرك عربي مساند"، لافتاً إلى أن خروج أعداد كبيرة من الجماهير بمئات الآلاف سيضع الاحتلال في حالة سيئة مع المجتمع الدولي، وسيوصل رسالة أن استمرار بقاء الوضع غير مقبول.
ضوء أخضر عربي
من جانبه، يقول أستاذ الإعلام بجامعة بيرزيت د. نشأت الأقطش، إن الأنظمة العربية أعطت موافقة لأمريكا لنقل سفارتها للقدس، في ظل انقسام فلسطيني وخلافات حزبية، والاحتلال يراهن أن ردود الأفعال الفلسطينية قد تكون محصورة لمدة أسبوع وتنتهي.
ويرى الأقطش في حديث لصحيفة "فلسطين"، أن 15 مايو تاريخ يستحق الانتظار ولا أحد يستطيع تقديم توقعات واضحة لما سيكون عليه الميدان، فقد تتطور الأمور أكثر، ولكن لا يوجد سقف فلسطيني أعلى من ذلك، فالحصار على الفلسطينيين يجعل التداعيات محصورة في الوضع الحالي.
ومضى الأقطش إلى القول: "غزة خرجت وعرفت الطريق، والاحتلال اليوم شعر أن هناك شيئا قد يكون مزعجا ويسيء لصورته في العالم أكثر مما هي سيئة".
ويرى أن الخطورة السياسية لنقل السفارة تتمثل بالاعتراف الأمريكي بأن القدس عاصمة للاحتلال، وهذا ينفي فكرة التسوية واتفاق "أوسلو" الذي رعته أمريكا، دون الاعتراف بشيء للفلسطينيين، ويظهر أمريكا دولة يحكمها فرد لديه أهواء شخصية يتصرف بطريقة تتناقض مع المبادئ الأمريكية السابقة لعملية التسوية.
ويعتقد الأقطش أن الحد الأقصى لتداعيات نقل السفارة وما يحدث من تطورات متزامنة هو مواجهة مع المقاومة وهذه نتائجها لن تكون محدودة ولا معروفة، أما السيناريو الأقل منه فهو أن يقتحم الجماهير الحدود وقد ترتكب قوات الاحتلال جرائم بقتل العشرات وجرح الآلاف، والشيء الآخر أن يمر اليومان كما مرت الجمع السابقة باشتباكات، مرجحا اقتحام الجماهير الحدود.