فلسطين أون لاين

المسن "خضر" يرسم خارطة أرضه المحتلة

...
قلقيلية - مصطفى صبري

مع اقتراب حلول الذكرى الـ70 للنكبة، لم ينسَ الفلسطيني أرضه التي هجرها، بفعل هجمات وإرهاب العصابات الصهيونية عام 1948، فيعبر عن حبه لأرضه بتذكّر "توتة الدار"، و"شجرة التين"، وحقول الفقوس والخيار والبطيخ والشمام.


المواطن القلقيلي المسن محمود خضر (80 عاماً)، الذي أمضى 40 عاماً في تعليم مادة اللغة الإنجليزية، جاءته فكرة فجأة قبل عدة سنوات، حيث سارع في توثيق أرض عائلته المصادَرة في منطقة الشمعونية التابعة لأراضي قلقيلية بالضفة الغربية المحتلة من الناحية الغربية داخل الأراضي المحتلة عام 1948، فرسم خارطة لها بحدودها التي كانت موجودة قبل النكبة، ووزع نسخاً من هذه الخارطة لكل من كان يجاور أرضه من كبار السن؛ أملاً في العودة إليها.


حجم الحب والانتماء

يقول المسن خضر لصحيفة "فلسطين": "عندما حلت النكبة كان عمري عشر سنوات، وأعرف تفاصيل أرضنا في الشمعونية نسبة إلى مقام النبي شمعون غرب قلقيلية، والذي ما زال لغاية الآن قائماً، تحاول سلطات الاحتلال تهويده باعتباره مقاماً يهودياً حسب زعمها".


ويضيف: "قبل عدة سنوات جاءتني فكرة بتوثيق خارطة لأرض الآباء والأجداد حتى تكون وثيقة مهمة، ووضعت عليها الحدود كاملة".


صنع خضر خارطة طولها متر، وعرضها 60 سم، عليها حدود أرضهم المعروفة بـ"كرم عفانة"، يحدها من جهة الشمال والشمال الغربي مقام النبي شمعون، ومن جهة الشرق بيارة زهران وباقي جيران الأرض، هكذا قال، واستطرد بأن هذه الخارطة "تم تصويرها وتوزيعها على أقاربي الذين هم شركاء في الأرض، فهذا أقل الواجب تجاه أرضنا التاريخية أن تكون موثقةفي كل المجالات، في القلب وعلى أرض الواقع".


ويصف خضر بقاء ذكرياته في أرض عائلته وحفظه كل التفاصيل بالرغم من تقادم الزمان لسبعة عقود ماضية، قائلاً: "دائماً الذاكرة مرتبطة بحجم الحب والانتماء للأرض، فطفولتي عشتها في الأرض أحرسها وأنام فيها وأذهب إلى المنزل في قلقيلية لإحضار الطعاملأهلي".


وتابع "أنا عشت فيها لحظة بلحظة، وكل ذرة تراب فيها أعشقها وتعشقني، وخلال رسم الخارطة كانت التفاصيل حاضرة في ذاكرتي وكأنها يوم أمس، بالرغم من مرور قرابة السبعين عاماً على هذه الذكريات، وعندما انتهيت من رسم الخارطة أصيب من حولي بالذهول، فلا تفاصيل منسية فيها، ويعجز عنها مهندس محترف، إلا أن قلب المحب لأرضه أقدر من أي مهندس مهما كان بارعاً".


معالم الذاكرة

وتضمنت الخارطة معالم في المنطقة ما زالت موجودة، منها إلى جانب مقام النبي شمعون، المقبرة التي كان يدفن فيها أطفال العمال من الأتراك العاملين في محطة سكة الحديد، إضافة إلى طريق المحطة التابع للدولة العثمانية.


وفي أسفل الخارطة التاريخية كتب الحاج الثمانيني "هذا رسم تقريبي قام بإعداده الحاج محمود محمد خضر، حسب ذكرياته أيام الطفولة، وهو من مواليد 1938، وقد غادرنا أراضينا بعد الاحتلال والنكبة، ونطلب من الجميع المسامحة إن كانت هناك بعض الهفوات البسيطة".


ويلفت الحاج خضر إلى أنه "قبل إقامة جدار الفصل العنصري حول قلقيلية، كان بالإمكان زيارة الأراضي والمقام الديني، لكن الاحتلال استكثر علينا الزيارة وأقام الجدار لمنع أي تواصل مع الذكريات والواقع، إلا أن الذكريات ستبقى منقوشة في عقولنا وقلوبنا وسنورثها للأجيال القادمة".