وجه الخمسينية أم عمران عاشور كأنما يشكل بتجاعيده خريطة فلسطين في وجدان حفيدها وديع الذي كان يجلس برفقتها في إحدى خيام العودة شرق مدينة غزة، في منطقة السياج الاحتلالي الفاصل شديد التحصين عسكريًا بين قطاع غزة، وبقية الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948.
ويمكن من تلك المنطقة رؤية دخان قنابل الغاز التي يطلقها جنود الاحتلال تجاه المشاركين السلميين في المسيرة، عدا عن الصحفيين وطواقم الإسعاف. ولا تقتصر مواجهة (إسرائيل) لمسيرة العودة السلمية بقنابل الغاز، بل تشمل الرصاص الحي أيضًا، ما أدى إلى إيقاع آلاف الجرحى والشهداء في صفوف الفلسطينيين هناك.
يتبادل الاثنان أطراف الحديث حول مدينة يافا المحتلة.
وديع قمحي البشرة كسنابل فلسطين، قال: "أنا هنا في هذا الخيمة لأنني أريد العودة إلى يافا، أنا أنحدر منها، أخبرتني جدتي أنها جميلة"، وردت عليه الأخيرة: "نعم، هي كذلك".
أقيمت هذه الخيمة على بعد قرابة 750 مترًا من السياج الفاصل الذي يتحصن خلفه جنود الاحتلال الإسرائيلي، وتدوي رصاصاتهم وقنابلهم التي يقذفونها من وراء تلال رملية.
"ألست خائفا من هذه الأسلحة يا وديع؟"، سأله أحدهم مستفزا إياه، فجاءه الرد سريعا: "كلا، لست خائفا، نرتقي شهداء".
ألهبت الجدة حماس حفيدها حينما تغزلت بيافا: "حتى أنا، أخبرتني والدتي عن يافا أنها جميلة وعروس البحر، ولا بد أن يعرف الصغار تاريخهم".
قالت أم عمران لصحيفة "فلسطين"، وقد علا حولها هتاف حشد من النسوة والأطفال "راجع على بلادي": "إذا لم يقدر الكبار على إرجاع البلاد، يرجعها الصغار إن شاء الله".
كلمات هذه السيدة وحفيدها مثال حي على سقوط عبارة رئيسة وزراء الاحتلال السابقة جولدا مائير أن "الكبار يموتون والصغار ينسون".
على مقربة من هذه الخيمة كانت الطفلة نور الشنتف التي ستنتقل العام المقبل للصف الخامس الابتدائي، تتخذ موقعها بين الفلسطينيين المشاركين في المسيرة، قائلة لصحيفة "فلسطين": "بدي أرجع لبلادي".
ولم تبد شنتف أي اكتراث بأسلحة جيش الاحتلال وقنابله ورصاصه، مؤكدة أنها جاءت مع والدتها لاسترجاع أرضها في فلسطين المحتلة سنة 1948.
"معنا الله"
أميرة العقيلي "زميلة" سابقتها في الطفولة، وأيضًا في المطالبة بحق العودة الذي يؤكده قرار الأمم المتحدة 194.
رفعت علم فلسطين في مقدمة إحدى الخيام، وإذا سألها أحدهم عن سبب قدومها تكون إجابتها: "لأنني أريد أن أرجع إلى وطني، من حقي ذلك".
وبدا عليها الوعي الكامل بتفاصيل القضية الفلسطينية عندما قالت لصحيفة "فلسطين": "نحن لنا دولة هي فلسطين، لكنها محتلة، وقد غيروا اسمها على الخريطة وسموها (إسرائيل) التي ليس لها وجود أصلا".
هل من الممكن أن تعودي إلى مدينتك المحتلة رغم امتلاك الاحتلال لكل هذه الأسلحة؟ أجابت: "طبعا، لأننا لا نخاف من أسلحته، إذا كان يمتلك أسلحة، فنحن معنا الله".
قريبا من هؤلاء الأطفال، توشح صقر حبيب بكوفية فلسطين، وأخبر كل من رآه أنه أتى إلى هذه المنطقة "لنأخذ حق العودة".
حبيب (12 عاما) طالب في "دردشة" مع صحيفة "فلسطين" الإسرائيليين بالعودة إلى البلدان التي جاؤوا منها ليحتلوا الأراضي الفلسطينية.
حتى شهناز الغز التي لا تتجاوز 10 أعوام تريد العودة إلى فلسطين المحتلة، وكانت تشارك في مسيرة العودة السلمية.
رأى الطفل محمد حبيب شهناز وهي تتحدث عن حقها بالعودة، فتحمس قائلا: "أنا أيضًا أريد أن أخبركم... أريد أن أعود".
وبحسب المتحدث باسم وزارة الصحة في غزة أشرف القدرة، أصيب 67 طفلًا و20 سيدة من ضمن 969 إصابة، خلال قمع قوات الاحتلال المشاركين السلميين في مسيرة العودة الكبرى وكسر الحصار.
كأنما يقول هؤلاء الأطفال لجيش الاحتلال: "إن كنت تحاول إرعابنا وإرهابنا بأسلحتك، فنحن نرهبك ونرعبك بحقيقة أنه لا شرعية لك على هذه الأرض".

