وفودٌ من النساء والأطفال والرجال يتّجهون نحو الشّرق، جميعهم جاؤوا للمشاركة في مسيرات العودة الكبرى، الوجوه مبتسمة والهتافات لا تنتهي، فيما أناشيد العزّة والوطنية تصول وتجول في كل الاتجاهات بفعل نسيم الهواء الحُرّ في الأراضي الواسعة.
يصل الحدود الشرقية من بيت لاهيا شمالًا عند تلّة أبو صفية الطفلان الأخوان علي (12 عامًا) ومحمود (13 عامًا) وأمّهما أم سليمان رزق (49 عامًا) ويقتربون من التلّة التي اعتلاها العشرات من المواطنين.
التقت "فلسطين" بالطفلين وهما يرتديان الجلابية والحطة والعقال ليحاكيا الزيّ التراثي أيام زمان، فيروي محمود أنه جاء سعيدًا ليشارك في مسيرات العودة ويلقي قصيدة للشاعر الفلسطيني محمود درويش، ويقول: "اليوم أعيش في مخيم جباليا لكنني قريبًا سأعود إلى بلاد أجدادي التي هُجّروا منها بالسلاح والرصاص".
ويضيف: "لقد حكى لي والدي نقلًا عن جدّي كل ما يخص بلدتي الأصلية (برير)، كانت واسعة وجميلة وفيها الحياة والخير الكثير، وكانت حياتهم أروع ما يكون بالرغم من بساطتها، وفي قريتي حارات متعددة مثل حارة العبيّات والعجاجرة والرزاينة".
ويتابع: "اليوم جئت لأعبّر عن حبي لأرضي وبلادي المهجرة حتى وإن كنت لم أرَها يومًا، من خلال قصيدة سأقول فيها: "أيها المارون بين الكلمات العابرة، احملوا أسماءكم وانصرفوا، واسحبوا ساعاتكم من وقتنا وانصرفوا، واسرقوا ما شئتم من صور..".
تبتسم والدته ثم تخبر فلسطين أنّها جاءت برفقة طفليها ليحفظا حقّ العودة ويفهما أنه لا يمكن التنازل عنه مهما تجبّر الاحتلال، وفق قولها.
وتضيف: "أول يوم جئت فيه لمكان خيام العودة، جئت ملهوفةً وكتبت اسمي على الخيمة الخاصة بقرية (برير)، ثم رحت أمشي وأمشي باتجاه الشرق دون أن أشعر بأي ذرة من الخوف من السياج الحدودي، رغم وقوع الإصابات وسماع صوت الإسعافات".
وتصف: "وقعت بجواري تمامًا قنبلة غازٍ فلم أبالِ، بل كنت وكأن شيئًا لم يقع، وكانت بناتي المتزوجات يتصلن بي ويهاتفنني كي أعود خاصة حين علمن بوقوع الإصابات، لكنني لم أتوقف بل استمررت بالسير".
وتحكي: "قطفت سنبلة قمحٍ ومضغتها، ثم قطعة صغيرة من البصل، فشعرت حقيقةً أنني أتذوّق من مزروعات بلادي، وأشم رائحة بلادي، فنكهتها أعادتني لحكايات أمي وجدّتي ولحقول القمح والبرتقال والليمون، ولأشجار الزيتون الفارعة".
أم سليمان لا تخاف القدوم للحدود أبدًا، ولا تخشى على أولادها من ذلك، بل ترى أن قدومهم جميعًا يوحدهم نحو هدف واحد وحلم واحد، تعبر: "إنه حلم العودة والتحرير".

