فلسطين أون لاين

​ياسر يرحل مطمئنًا بتحقيق أمنيته

...
غزة - أدهم الشريف

كانت الابتسامة تملأ وجه المصور الصحفي ياسر مرتجى، وهو يحدث أحد أصدقاء المهنة عن فرحته بأن تمكن من السفر وعاد سريعًا إلى غزة في 30 مارس/ آذار الماضي، الذي وافق الذكرى الـ42 ليوم الأرض.

لكن ما لا يعرفه الكثيرون؛ أن هذا الشاب البالغ من العمر (30 عامًا) لم تطأ قدماه أرضًا خارج قطاع غزة المحاصر، إلا أنه من خلال طائرة التصوير الجوي التي كان يحلق بها بواسطة جهاز تحكم عن بعد، كان يرى غزة بصورة أخرى.

غير أن طلقة إسرائيلية أصابته ووضعت حدًا لأجنحته التي لطالما تمنى أن يحلق بها عاليًا.

وإن كان ياسر تمنى يومًا التحليق لالتقاط صورة جوية لغزة، وكتب لأجل ذلك قبل أيام قليلة في موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، فقد حاول إقناع أحد زملائه المصورين في أثناء عملهم على إنتاج فيلم وثائقي حول مسيرة العودة بأنه سافر وعاد سريعًا.

"أرأيت كيف أنني سافرت وجئت إلى غزة مجددًا" قال ياسر لأحد أصدقائه الذي ردَّ سائلًا: "بهذه السرعة".

"نعم إنها أسرع سفرية في حياتي"، قال ياسر ممازحًا صديقه وهو يضحك.

تفاصيل الأيام الأخيرة للشهيد ينقلها لـ"فلسطين"، محمد اليعقوبي (23 عامًا)؛ المصور في شركة "عين ميديا" التي كان يديرها الشهيد.

كان الشهيد مرتجى يقصد بكلامه تلك الصورة الجوية التي استطاع التقاطها لشرقي محافظة خان يونس جنوب قطاع غزة وخيام العودة هناك وجمع معها الأراضي المحتلة الواقعة تحت سيطرة (إسرائيل).

يقول اليعقوبي: لقد كان يعمل على إنتاج فيلم وثائقي حول خيام العودة والمسيرات التي انطلقت في ذكرى يوم الأرض، وكان حريصًا جدًا على توثيق انتهاكات جيش الاحتلال بحق المتظاهرين السلميين برًا وجوًا.

وحبس مشهد إصابة ياسر برصاصة أسفل الصدر، شرق محافظة خان يونس، في الجمعة الثانية لمسيرة العودة، أنفاس من رآه ممددًا ينتظر الإسعافات الأولية قبل نقله إلى المستشفى لإجراء العمليات اللازمة.

لكن لم يتوقع أحد استشهاده من بين 8 صحفيين طالتهم نيران قناصة الجنود المختبئين خلف ثكنات عسكرية محصنة وتلال رملية عالية.

"كان يرتدي درع السلامة، وكلمة صحافة (PRESS) واضحة جدًا، ورغم ذلك تم استهدافه وإطلاق رصاصة متفجرة عليه" يضيف اليعقوبي.

وبدا المشهد في أثناء وداع أصدقاء الشهيد له في مجمع الشفاء، كئيبًا للغاية، في وقت أطبق الحزن فكيه على جميع من جاؤوا للمشاركة في تشييعه.

أما الصحفيون فقد كاد أن يجن جنونهم على زميلهم، وقد باغتهم فجأة الصمت والبكاء إلا واحدًا كان يجهر بكلمات كادت غصات قلبه تعترضها وهو ينعى صديقه "يا روح قلبي يا ياسر, كنا مع بعض يا ياسر. سبتني ورحت ليش يا رجل".

كان هذا الشاب هو المصور الصحفي محمود أبو حمدة، والذي كان يرافق الشهيد في أثناء عمله شرق خان يونس، كما قال أحد الصحفيين لـ"فلسطين".

لم يكونا وحدهما هناك في المناطق الشرقية لقطاع غزة؛ فقد انتشر عشرات الصحفيين في خمس نقاط تجمع مسيرات العودة شرق غزة قرب السياج الفاصل بين القطاع والأراضي المحتلة عام 48، في ثاني جمعة لها والتي أطلق عليها "جمعة الكوشوك" نسبة إلى اطارات المركبات التي أشعلها المتظاهرين شرق غزة لحجب الرؤية أمام قناصة الاحتلال.

ويقول مصور قناة الجزيرة إسماعيل الزعنون؛ إن الصحفيين الفلسطينيين أصحاب قضية ويقع على عاتقنا واجب كشف الحقيقة من خلال العمل الميداني والتصوير بشكل مهني".

وأضاف الزعنون لـ"فلسطين"، إن جيش الاحتلال يستهدفنا بشكل مباشر رغم أننا نرتدي درعًا واقية يظهر عليها شارة الصحفيين.

بيد أن هذا لن يثنينا عن مواصلة عملنا الإعلامي، فنحن أصاحب قضية لا نستطيع أن نتخلى عنها رغم كل المخاطر التي نتعرض لها، واجبنا أن ننقل صورة مواطن يحمل علم مقابل دبابة وجيش يملك أعتى الأسلحة، يكمل الزعنون، الذي عايش انتهاكات جيش الاحتلال على مدار سنوات عمله في التصوير التلفزيوني، قبل أن يضيف: "(إسرائيل) مصرة على إسكات صوت الصحفيين من خلال الاستهداف المعتمد، لكننا ورغم كل المخاطر سنواصل عملنا".

أما مصور صحيفة "العربي الجديد" في غزة عبد الحكيم أبو رياش، فهو يعتبر أن استهداف الصحفيين "دليل على جبن جيش الاحتلال، وجريمة يرتكبها بحق الصحفيين في أثناء تغطيتهم".

"إن هذا أمر مستهجن وعمل إرهابي رغم أننا نرتدي درع الأمن والسلامة لكنّ هذا العدو ليس له أمان ويرتكب شتى أنواع الجرائم" أضاف أبو رياش.

وإن كان الحقوقي صلاح عبد العاطي، يدرك أن استهداف الصحفي ياسر، يرقى إلى جريمة حرب كون أن الصحفيين محميون بموجب قواعد القانون الدولي الذي يكفل لهم حماية خاصة، فإنه يؤكد لـ"فلسطين" أن قتل الصحفيين عمدًا يهدف إلى اسكات وإخراس الصحافة، ومنع نقل الجرائم المروعة التي يقترفها جيش الاحتلال عند السياج الفاصل بين قطاع غزة وأراضي الـ48، بحق المتظاهرين المدنيين العُزَّل.

ويوافق تاريخ استشهاد ياسر، ذكرى استشهاد مصور وكالة "رويترز" فضل شناعة بنيران الاحتلال قبل عشرة أعوام من الآن وتحديدًا في 14 أبريل/ نيسان لعام 2008.

وأعاد استشهاد ياسر مشهد استهداف فضل؛ أمام عيني مصور وكالة "رويترز" فادي شناعة، الذي تجلى الحزن على وجهه في أثناء مشاركته في جنازة الشهيد، وقال لـ"فلسطين": كان ياسر يلاحق الاحتلال بعدسة كاميرته، وها هو اليوم يستشهد بعد عشر سنوات من استشهاد فضل، إنه استهداف متعمد".

"الحماقة الإسرائيلية على مدار عشر سنوات لم تكفُفْ عن استهداف الصحفيين، المطلوب من العالم أن يقف إلى جانب الصحفيين الفلسطينيين لأنهم مستهدفون وبشتى الطرق" يضيف شناعة.

ويسأل: ما الخطر الذي كان يشكله ياسر على جنود الاحتلال؟ هو لم يفعل شيئًا سوى أنه يحمل كاميرات تصوير.

وبكى الصحفيون بشدة زميلهم ياسر الذي شيع على الأكتاف ومن فوقه الدرع التي لم تشفع له أمام رصاص القناص الإسرائيلي.

لكن لطالما أن ياسر لم يحلق بجسده في سماء غزة، فقد ترك صورًا لها التقطها بكاميرا طائرة جوية، وفي الواقع إن أفضل ما تركه الشهيد هو نجله عبد الرحمن الذي لم يتجاوز عمره العامين ونصف العام.

لربما يحقق هذا الطفل حينما يكبر أمنية والده بالتحليق في سماء غزة من جديد وتصويرها بطائرة مسيَّرة إن أجاد استخدامها كما فعل والده الشهيد.