​لكلٍّ قصته في تحدي العدوان

أبو العبد وأحمد وفاطمة ومحمد.. "مُذكَّرات صمود 2008"

...
صورة أرشيفية لعدوان 2008
غزة - نبيل سنونو

يتلحَّف شاب أخضرُ العينين قمحي البشرة كسنابل وطنه بمعطفه الأنيق في مواجهة برد الشتاء القارس والأمطار التي تنهمر زخاتها دونما فواصل، ولا تبدي ملامحه الضاحكة أبدًا أنه هو بذاته، الذي واجه قبل ثماني سنوات حربًا عدوانية طاحنة، وزخات لا تنقطع من الصواريخ.

كان يستعد للخروج من أحد المباني في مدينة غزة العتيقة، إلى وجهته، قبل أن أسأله: هل حضرت عدوان 2008؟ فأجاب الشاب الثلاثيني: "ممم، لن تتخيل أنني كنت عائدًا من مصر منذ شهر واحد فقط عند اندلاع العدوان".

هكذا كانت في عينيه قصة في كل من أجزائها حكاية، طلبت منه أن يرويها، تنهَّد ثم فرك يديه ببعضهما للظفر بشيء من الحرارة في عز البرودة، وأجاب كأنما يرى المشهد بأم عينيه: "طبعًا كنت لسة جاي جديد من مصر، كان العدوان غريبًا جدًا بالنسبة لي، وحدث القصف، وكنت موجودًا في منطقة الجامعات في غزة".

وصف ما حدث بأنه "مش طبيعي"، متابعًا بابتسامة تنطبق عليها مقولة "شر البلية ما يضحك": "خوف ورعب يعني هناك حرب بكل معنى الكلمة".

يسكن أبو العبد أبو مصطفى، وهو شاب ثلاثيني، في جنوب قطاع غزة، واضطره نشوب العدوان إلى العودة من مدينة غزة إلى حيث يسكن في جنوب القطاع، بعدما تأكد أن الذي يحدث هو قصف حقيقي وليس غارات وهمية كما سمع من البعض.

هرعت الإسعافات لانتشال جثامين الشهداء، وإنقاذ المصابين، بينما انشغل هو في تهدئة الطالبات اللواتي تسلل إليهن الفزع من هول ما يرين.

هل راودتك أفكار أن هذه هي النهاية وأنك ربما لن تخرج سالمًا من هذا العدوان؟ تبسَّم ضاحكًا قبل أن يجيب: "عادي.. لا إله إلا الله!".

لكنه لا ينسى أبدًا، المشهد العام للغزيين الذين كانوا في حيرة من أمرهم، وآخرين كانوا لا يعرفون ماذا سيفعلون وهم في الشوارع، تتساقط الصواريخ والقنابل فوق رؤوسهم.

"أكيد الإنسان يقول: يا رب ويتشاهد خصوصًا في مثل هذه الساعات، لا أحد يعرف ماذا سيحصل، من الممكن أن تصاب أو تستشهد وأنت عائد إلى منزلك بالسيارة"؛ حدَّثني بهذه الكلمات، مردفًا: "حتى الطريق إلى رفح كان صعبًا..".

كانت الاتصالات تتقطع في الطريق، لم تتمكن والدته السبعينية من الاطمئنان عليه أبدًا، إلا بعد تمكنه من العودة، حيث استغرق ذلك ما يزيد على ساعتين "كنا خائفين طبعًا وانقطع الاتصال مع الوالدة".

هذا العدوان لم يكن الأخير الذي يحضره فقد لحقه عدوانا 2012 و2014، الذي قصفت فيهما المقاومة الفلسطينية (تل أبيب)، والعديد من المدن المحتلة، وبينما قال إعلام الاحتلال: "نأسف.. لقد قُصفِت (تل أبيب)" في 2012، فإن هذا الشاب الثلاثيني، قال: "نفخر.. لقد قُصِفت (تل أبيب)".

بعد ثماني سنوات على عدوان 2008، يجزم "أبو العبد" أن الاحتلال لم يحقق أهدافه، مفسرًا: "مهما قتل منا فنحن أصحاب حق".

أما عن تهديد وزراء الاحتلال بأن أي حرب عدوانية مقبلة على القطاع ستكون "الأخيرة"، ردَّ بقوله "ستكون الأخيرة عليهم (قوات الاحتلال)، هم متمسكون بالدنيا، ونحن نحب الشهادة وأن نلقى وجه الله".

"هذا كلام مثير للسخرية.."؛ هذا هو رد العشريني أحمد أبو الخير، على تهديدات قادة الاحتلال الإسرائيلي.

كان هذا الشاب القمحي أيضًا في منزله لما بدأت عشرات الطائرات الحربية التابعة لجيش الاحتلال بقصف قطاع غزة في 2008، فلم يغادر منزله يومها أبدًا، تمامًا كرفضه التام أن يحقق للاحتلال حلمه بمغادرة وطنه فلسطين.

لكنه لم يكن يتوقع أن تكون كل تلك الصواريخ والغارات المتزامنة، بداية لعدوان طويل، كان يبلغ حينها 18 عامًا، يدرس في الجامعة، ولديه مستقبل يسعى بكل ما أوتي من قوة إلى تحقيقه.

"لكن شيئًا أكيدًا انتابني الخوف على مستقبلي العلمي، من أن يؤثر العدوان بأي شكل عليَّ، لم تكن هناك إمكانية لأن يجلس طالب ويدرس باستقرار"، يعبر بذلك عن شعور غلبه آنذاك.

ورغم استشهاد أخيه، وابن عمه، وهو من الأحداث التي لا تغيب عنه أبدًا، يؤكد أن قوات الاحتلال لم تحقق أهدافها من العدوان "فمعنوياتي الحمد الله عالية، ورحم الله شهداءنا" (..) "حتى الطفل في حضن أمه ارتفعت معنوياته حينما قصفت المقاومة فلسطين المحتلة سنة 1948 بالصواريخ".

مخالفة التوقعات

إلى هنا لم تنتهِ الحكايات بعد، فاطمة أبو مصبح، من دير البلح وسط القطاع، كانت إبان عدوان 2008 تدرس في الصف الأول الإعدادي، لكنها أصرت على تأدية دور يفوق سنين عمرها لخدمة قضية شعبها.

في البداية لم تكن تتوقع أبدًا أن يطول العدوان إلى هذا الحد، لكن فيما بعد أيقنت أن الاحتلال، بكل وحشيته ماضٍ في جرائمه.

"كنت طالبة في الأول الإعدادي، لا أزال صغيرة، وأول ما قمت به هو استخدام الـ(Social media) مواقع التواصل الاجتماعي، وأوثق بعض الأشياء التي كنت أراها منشورة من بعض المصورين، وأعيد صياغة المحتوى وأشاركها، وكان يتفاعل كثير منا الأشخاص خصوصًا من هم خارج غزة"، ذكريات لا تنساها فاطمة.

بهذا التصميم تغلبت حتى على انقطاع الكهرباء، وأجواء الحرب العدوانية، "كانت الكهرباء متعبة، ولكن كنا نشغل الموتور كل فترة، وخلالها أنشر المعلومات التي أعايشها عن العدوان عبر الإنترنت"، ابتسمت كمن باغتته الذاكرة بحدثٍ يحتل في عقله مكانة خاصة، وتابعت: "حتى أنني أحيانًا كنت أذهب إلى السوبر ماركت، الإنترنت دائمًا متوفر هناك، لأستخدم مواقع التواصل".

بدت فاطمة بروح معنوية عالية، بعد ثماني سنوات من العدوان، تخللها عدوانان آخران، قائلة: "نحن شعب محاصر، ومعرضون دائمًا لمثل هذه الأشياء (الحصار والعدوان).. نحن شعب عانى وضحى كثيرًا، وكل مواطن كان له تأثير في إيصال قضيته بطريقة مختلفة عن الآخر"، مستدركة أن الحصار والعدوان لا يثنيان الشعب الفلسطيني عن مواصلة التضحيات.

ثماني سنوات إلى الوراء، كان محمد أبو طويلة، وهو شاب غزي، طالبًا على وشك التخرج من جامعته، فجاء عدوان 2008، كأنما يريد قطع الطريق عليه.

"كنت وقتها في فترة الامتحانات في الفصل الأول من العام الجامعي الأخير، وأذكر أنني عند بدء العدوان كنت جالسًا فوق سطح منزلي، ورأيت القصف والغارات بأم عيني"، ليس هذا فحسب، بل إنه يصف تلك الغارات بأنها كانت آنذاك الأقسى والأصعب التي يشاهدها في حياته، من حيث حجمها وشدتها وتزامنها.

"صار الواحد يفكر إنه خلاص (Stop)، إنه بعد هيك في أي وقت حيستشهد"؛ لكنه بعد أن نجا من عدوان 2008، أصيب في عدوان 2014، واستشهد أخواه، وتضرر بيته.

رغم الإصابة وتداعيات العدوان، يعكس بابتساماته صموده في وطنه، قائلاً: إن الاحتلال لم يحقق أهدافه "استطعت أن أقف على قدميَّ، وأن أكمل حياتي، وفي النهاية كل إنسان له قدر".