توافق في سوريا بعيدًا عن أمريكا


يمثل اللقاء التركي الروسي الإيراني في موسكو أولى الخطوات الصحيحة لحل الأزمة السورية، والخروج من مستنقع الدم بأقل الخسائر، فالدول الثلاث تعدّ الأكثر حضورًا في ميدان القتال، والأكثر تضررًا من مواصلة الحرب على الأرض السورية، والدول الثلاث هي الأكثر تأثيرًا في الأحداث، وهذا ما يعطي البيان المشترك الذي صدر باسم الدول الثلاث قيمته العملية، ولا سيما حين يؤكد احترام الدول الثلاث لسيادة الجمهورية العربية السورية واستقلالها ووحدة وسلامة أراضيها؛ بصفتها دولة متعددة الأعراق والطوائف الدينية وديمقراطية وعلمانية.

إن قناعة الدول الثلاث بغياب حل عسكري للنزاع السوري، والاعتراف بأهمية دور الأمم المتحدة في تسوية الأزمة، يمثل الخطوة الأولى على طريق وقف إطلاق النار، والعودة إلى العقل للخروج من صراع داخلي أدمى الشعب السوري، وشتت شمله، وهذا يعكس رغبة الدول الثلاث بالتوصل إلى تسوية، تحفظ مصالح الشعب السوري، ومصالح جميع الأطراف التي باتت معنية بعدم تصاعد الحرب الطائفية بشكل يصعب السيطرة عليه، وفق تحذير وزير الخارجية التركي.

ورغم عدم تضمن "بيان موسكو" أية إشارة إلى مصير بشار الأسد، إلا أن غياب النظام السوري بحد ذاته عن الاجتماع لا يقل أهمية عن غياب المعارضة السورية، وهذا الغياب المتعمد لطرفي النزاع يعكس حرص الدول الثلاث على عدم الانجرار إلى حرب شاملة، طالما يمكن التفاهم على الكثير من قضايا الخلاف، والتي لن ترضي النظام من جهة، ولن ترضي المعارضة..

إن الغياب الأمريكي عن لقاء موسكو يُعدّ أكثر أهمية من غياب المعارضة السورية والنظام السوري، وهذا الغياب الأمريكي يفوق بمدلوله السياسي بيان موسكو نفسه، فتجاهل أمريكا يعكس إدراك الدول الثلاث لحجم المؤامرة التدميرية التي ترعاها أمريكا ضد سوريا، وضد جيران سوريا في الوقت نفسه، والتي لا تخدم إلا (إسرائيل)، وقد يكون حديث نائب وزير الخارجية الروسي فيه تلميح إلى ذلك حين قال: سيتم إبلاغ فرنسا والصين والدول الأخرى بنتائج اللقاء، ولم يرد ذكر أمريكا إلا في نهاية الحديث، حين قال: وسيتم إبلاغ أمريكا إذا رغبت في ذلك.

الرد الأمريكي على الغياب لم يتأخر، فقد جاء على لسان جون كيربي، المتحدث باسم الخارجية الأمريكية، الذي قال: ما زالت أمريكا معنية بقضايا كثيرة أخرى في المنطقة، ونحن لسنا مستبعدين ولا يجري تهميشنا".

وقد لا يجري تهميش أمريكا حقًا إذا كانت الدول التي عقدت اللقاء فيما بينها دولًا صغيرة، وعديمة التأثير، ولكن لقاء موسكو الذي استبعد أمريكا حضرته ثلاث دول وازنة على مستوى العالم، ولها قدراتها على معالجة أسباب الصراع، ويمكنها التوافق فيما بينها على حل الخلافات بعيدًا عن أمريكا التي ترفض أن تكون جزءًا من التوافق، وتصر على أن تظل جزءًا من تعقيد المشكلة، وتوريط كل الأطراف في حرب لا طائل من ورائها.