في عام 2007، وقبل إطلاق أول هاتف آيفون في التاريخ، أخرج مؤسس شركة "آبل" ستيف جوبز الهاتف من جيبه ولاحظ وجود خدش على شاشته، فقرر على الفور استبدال الشاشة البلاستيكية بأخرى زجاجية، رغم أن القرار جاء قبل أسابيع قليلة من موعد إطلاق الهاتف، وكان يعني تغيير خط الإنتاج بالكامل.
وبالفعل، وصلت الشاشات الجديدة إلى الصين في وقت متأخر، وسط حاجة المصنع إلى إنتاج كميات كبيرة خلال فترة زمنية قصيرة. وعلى إثر ذلك، أيقظ مدير المصنع العمال من نومهم، رغم مخالفة ذلك للقانون، وبعد دقائق قليلة كان أكثر من 8 آلاف عامل قد حضروا إلى مواقعهم واستعدوا للعمل.
وخلال 12 ساعة فقط، أنتج العمال 10 آلاف هاتف بالمواصفات الجديدة، في واقعة دفعت أحد الأمريكيين إلى القول إن من المستحيل على مصنع أمريكي تنفيذ مهمة بهذا الحجم والسرعة، في مشهد يعكس جانبا من الأسباب التي جعلت الصين توصف بـ"مصنع العالم".
لكن قصة التحول الصناعي الصيني لم تبدأ مع ستيف جوبز، بل تعود إلى سنوات طويلة قبل ذلك، وتحديدا عندما اتخذ فلاح صيني قرارا بسيطا في ظاهره، لكنه ساهم في تغيير مسار الاقتصاد الصيني، بعدما ابتكر طريقة للخروج من نظام زراعي لم يكن يضمن للفلاحين دخلا كافيا، في وقت كانت المجاعة قد أودت بحياة نصف سكان قريته.
فكرة غيرت الصين
في عام 1978، قرر فلاح يدعى يان هونغ تشانغ الاتفاق مع 17 من فلاحي قريته على الالتفاف على نظام العمل بالنقاط في الأراضي الزراعية، والذي كان يوزع العائد وفقا لساعات العمل، دون ربطه بحجم الإنتاج الفردي.
وبموجب الاتفاق، خصص الفلاحون سرا قطعة أرض لكل أسرة تتولى زراعتها، على أن يدفع كل فلاح الحصة المقررة للحكومة من محصوله، ويحتفظ بالباقي لنفسه.
وكانت عقوبة مخالفة نظام الزراعة تصل إلى الإعدام، لكن الفكرة حققت نتائج سريعة، إذ ارتفع دخل الفلاح من 22 يوانا، أي نحو 3 دولارات، إلى 400 يوان، بما يعادل نحو 55 دولارا، بالتزامن مع زيادة المحاصيل الزراعية، وهو ما لفت انتباه السلطات.
ورغم صرامة النظام الشيوعي الصيني، اختار الزعيم دينغ شياو بينغ التعامل مع التجربة بصورة مختلفة، مستندا إلى مقولته الشهيرة: "ليس المهم لون القطة، بل المهم أن تصطاد الفأر"، فلم يعاقب الفلاحين، بل تبنى الفكرة ووسع تطبيقها في أنحاء البلاد تحت اسم نظام "المسؤولية الأسرية عن الإنتاج"، انطلاقا من التركيز على النتائج.
وخلال 5 سنوات فقط، بين عامي 1978 و1984، ارتفع إنتاج الصين من المحاصيل الزراعية من 305 ملايين طن إلى 407 ملايين طن، بزيادة تقارب 33%.
ومع تحسن الإنتاج والدخل، بدأ الفلاحون يهتمون بتطوير أساليب الزراعة والاستعانة بالتكنولوجيا والآلات الحديثة، ما أدى تدريجيا إلى الاستغناء عن أعداد كبيرة من العمالة الزراعية.
وبدلا من تحول هؤلاء الفلاحين إلى عاطلين عن العمل، اتجهوا إلى المدن بحثا عن فرص جديدة، ليشكلوا لاحقا قوة عاملة ساهمت في بناء القطاع الصناعي الصيني، الذي كان لا يزال في بداياته.
وهنا بدأت قصة انتقال الصين من اقتصاد زراعي إلى قوة صناعية، بعدما وجد المستثمرون في هونغ كونغ فرصة للاستفادة من الأيدي العاملة المتاحة بتكلفة منخفضة.
من هونغ كونغ بدأت حكاية الصناعة
كان من بين المستثمرين الذين التفتوا إلى هذه الفرصة صاحب مصنع لحقائب اليد في هونغ كونغ يدعى زانغ زيمي، الذي واجه صعوبات في توسيع أعماله بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج.
ففي ذلك الوقت، كانت هونغ كونغ تصدر الحقائب والملابس والألعاب إلى الولايات المتحدة، لكن ارتفاع أسعار الإيجارات جعل زيادة أجور العمال أمرا صعبا، في وقت بدأ فيه الموظفون يطالبون بتحسين أوضاعهم، بينما لم يكن بإمكان أصحاب المصانع رفع أسعار منتجاتهم بسبب المنافسة مع تايوان وكوريا الجنوبية.
وأمام هذه المعادلة، توجه زيمي إلى الحكومة الصينية حاملا 3 ملايين دولار هونغ كونغي، أي نحو 387 ألف دولار، وعقد اتفاقا يقوم على توفيره التصميمات والمواد الخام، مقابل أن تتولى الصين بناء المصنع وتوفير العمالة.
وهكذا تأسس مصنع "تايبينغ" للحقائب، وفق نموذج إنتاج جديد كانت الصين تحصل بموجبه على أجور العمال، بينما يحصل المستثمر على الجزء الأكبر من الأرباح.
ومع نجاح التجربة، بدأ مستثمرون آخرون من هونغ كونغ بتكرارها، فتأسست مصانع صغيرة داخل الصين، بعضها في منازل ومبان غير مستخدمة، لتبدأ ملامح قطاع صناعي جديد في الظهور.
لكن توسع هذه المصانع أثار مخاوف داخل الصين من أن يتحكم المستثمرون الأجانب في الاقتصاد المحلي، من خلال امتلاك رأس المال والتصميمات والأسواق، بينما تقتصر مشاركة الصينيين على توفير العمالة.
وأمام هذه المخاوف، حاول الزعيم دينغ شياو بينغ تحقيق توازن بين جذب الاستثمارات الأجنبية والحفاظ على دور الدولة، فسمح بإنشاء 4 مناطق اقتصادية خاصة على الساحل الصيني، ومنح المستثمرين الأجانب تسهيلات وحوافز لتشجيعهم على إقامة المصانع ونقل الخبرات الصناعية إلى البلاد.
وفي الوقت نفسه، كانت أوضاع الفلاحين قد تحسنت بفضل نظام الزراعة الجديد، وأصبح لدى بعضهم فائض مالي دفعهم إلى تأسيس ورش صغيرة لصناعة الملابس والطوب وغيرها من المنتجات، بهدف زيادة دخل أسرهم.
وعُرفت هذه المشروعات لاحقا باسم "شركات البلدات والقرى"، التي تحولت إلى أحد محركات التصنيع الصيني، إذ ارتفع عدد العاملين فيها من 28 مليون شخص عام 1978 إلى 135 مليونا عام 1996.
ولم يقتصر دور هذه الورش على الإنتاج، بل ساهمت في نقل الخبرات الصناعية إلى المناطق الريفية، حيث تعلم الفلاحون مهارات التصنيع والصيانة وإصلاح الأعطال وإدارة العمال وخطوط الإنتاج، قبل أن يتحول عدد منهم إلى أصحاب أعمال قادرين على تأسيس مصانع أكبر وإعداد دراسات الجدوى والتواصل مع المستوردين وتلبية طلباتهم.
كيف وجدت الصين المستثمرين؟
رغم اتساع قاعدة الإنتاج وتوافر الأيدي العاملة، لم تكن هذه النقلة كافية وحدها لتحويل الصين إلى مركز صناعي عالمي، إذ كانت البلاد بحاجة إلى مستثمرين وأسواق قادرة على استيعاب الكميات المتزايدة من المنتجات.
وكانت الولايات المتحدة من أبرز الأسواق التي اتجهت إليها الصين، باعتبارها واحدة من أكبر أسواق الاستهلاك في العالم.
وفي تلك الفترة، كانت تجارة التجزئة الأمريكية تشهد تحولات كبيرة مع انتشار المتاجر الكبرى التي توفر منتجات متنوعة بأسعار منخفضة، لكنها واجهت تحديا متزايدا يتمثل في تأمين البضائع بالكميات والمواصفات والمواعيد المطلوبة.
فقد أصبحت هذه المتاجر بحاجة إلى شبكات إنتاج وتوريد قادرة على تلبية طلباتها بصورة منتظمة، وهو ما وفرته المصانع الصينية التي استطاعت الجمع بين انخفاض تكاليف الإنتاج والقدرة على تصنيع كميات ضخمة خلال فترات قصيرة.
ومع بداية الألفية الجديدة، أصبحت التجارة والتصنيع المرتبطان بسلاسل التوريد العالمية يشكلان جزءا أساسيا من الصادرات الصينية، إذ اعتمدت مصانع عديدة في البداية على تجميع المنتجات باستخدام مواد خام ومكونات مستوردة من الخارج.
لكن التجربة لم تتوقف عند التجميع، فمع توسع الإنتاج بدأ أصحاب المصانع يتجهون إلى الورش المحلية لتوفير احتياجاتهم، مثل تصميم الألعاب وتصنيع العبوات الكرتونية وقطع الملابس والإكسسوارات، بدلا من استيراد كل جزء على حدة.
ومع اتساع هذه الشبكة، ظهرت ورش متخصصة في إنتاج مكونات محددة، وأخرى لصيانة الآلات وإصلاحها، ما أدى إلى نشوء منظومة صناعية مترابطة، تستطيع تلبية احتياجات المصانع بسرعة وبتكلفة أقل.
وبالتدريج، لم تعد الصين مجرد مكان لتجميع المنتجات الأجنبية، بل أصبحت تمتلك شبكة واسعة من الموردين والمصنعين والمصممين ومقدمي الخدمات الصناعية، وهو ما منحها قدرة كبيرة على تلبية طلبات الأسواق العالمية.
من ورش المنازل إلى إنتاج ثلث جوارب العالم
لم يقتصر التحول الصناعي على المدن الكبرى والمصانع الضخمة، بل امتد إلى القرى والبلدات التي تحولت ورشها الصغيرة إلى مراكز إنتاج متخصصة.
ففي منتصف ثمانينيات القرن الماضي، كان سكان مدينة داتنغ ينتجون الجوارب داخل منازلهم بعد الانتهاء من أعمالهم الزراعية، مستخدمين آلات بسيطة ومستعملة.
لكن هذه الصناعة توسعت مع مرور الوقت، حتى أصبحت المدينة تنتج نحو 25 مليار زوج من الجوارب سنويا، بما يعادل 70% من إنتاج الصين وثلث الإنتاج العالمي، وفقا للأرقام الواردة في المادة.
وساهم هذا النموذج في تعزيز توجه الصين نحو اقتصاد يجمع بين آليات السوق ودور الدولة في التخطيط والملكية، إذ احتفظت الحكومة بدور رئيسي في الشركات الكبرى والقطاعات الاستراتيجية، بينما توسع نشاط الأفراد والشركات الصغيرة في مجالات التصنيع والتجارة والخدمات.
وبذلك، لم يكن التحول الصيني قائما على إنشاء مصانع ضخمة فحسب، بل على بناء شبكة متكاملة من المشروعات الصغيرة والمتوسطة والموردين والعمالة الماهرة، القادرة على دعم الإنتاج وتطويره.
كيف أصبحت الصين "مصنع العالم"؟
اليوم، تمتلك الصين خبرات واسعة في مختلف مجالات التصنيع، وهو ما يجعل تكرار تجربتها في دول أخرى أمرا بالغ الصعوبة؛ فالمسألة لا تتعلق ببناء المصانع وتوفير العمالة الرخيصة فقط، بل بوجود منظومة متكاملة تضم العمال والمهندسين والمصممين والمبتكرين والموردين، إلى جانب شبكة واسعة من الصناعات المساندة.
وبحسب بيانات عام 2020، استحوذت الصين على نحو ثلث الإنتاج الصناعي العالمي، كما ساهمت التحولات الاقتصادية التي شهدتها البلاد في انتشال نحو 800 مليون شخص من الفقر.
وهكذا، لم تكن قصة تحول الصين إلى "مصنع العالم" نتيجة قرار حكومي واحد أو استثمارات ضخمة فقط، بل جاءت ثمرة سلسلة من التحولات بدأت من الأراضي الزراعية، عندما قرر 18 فلاحا تحدي نظام الإنتاج القائم، وفتحوا الباب أمام نموذج اقتصادي جديد.
وبعد نحو نصف قرن، لا تزال الورقة التي وقع عليها الفلاحون الـ18، وتضمنت تعهدهم بحماية أسر بعضهم بعضا ورعاية أطفال من قد يتعرض للعقوبة بسبب التجربة، محفوظة في المتحف الوطني الصيني بوصفها واحدة من الوثائق الرمزية المرتبطة ببداية عصر الإصلاح والانفتاح.
ومن حيلة زراعية بسيطة بدأت في قرية صينية، إلى شبكة مصانع تمتد عبر البلاد وتغذي الأسواق العالمية، تحولت تجربة هؤلاء الفلاحين إلى واحدة من أبرز محطات التحول الاقتصادي في تاريخ الصين الحديث.

