فلسطين أون لاين

الانتخابات والعلاقات الدولية

يرى البعض أن تأثير الانتخابات في أي دولة ينحصر داخل حدودها باعتبارها شأنًا خاصًا بالدولة، بينما يرى آخرون أنه لا يمكن لدولةٍ العيش بمعزلٍ عن الدول الأخرى، ولا يمكن عزل تأثير أي حدثٍ في أي دولةٍ عن باقي الدول بنسب متفاوتة، لذا يرون أن تأثير الانتخابات لا يقتصر على المستوى الداخلي فقط، بل يمتد خارجها، خاصة إن كانت الدولة مركزية ولها تأثير وحضور على المستوى الدولي، وأنا مع الرأي الثاني.

في الأسبوع الأخير من أكتوبر 2026، وفي الشهر الأول من نوفمبر 2026، تم إجراء انتخابات في أمريكا وإسرائيل، الأولى لانتخابات الكنيست التي بمقتضاها يتمكن الحزب الفائز من تشكيل حكومة، والانتخابات الثانية في أمريكا هي انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.

الأولى الإسرائيلية لم تسفر النتائج عن حصول أي من المعسكرين على أغلبية تؤهله لتشكيل الحكومة منفردًا، فمعسكر نتنياهو حصل على 53 مقعدًا، ومعسكر المعارضة حصل على 48 مقعدًا، والقوائم العربية حصلت على 19 مقعدًا، وأن الأغلبية المطلوبة 61 مقعدًا.

أما الانتخابات الأمريكية، فقد حملت مفاجأة سياسية للرئيس ترامب، بفوز الحزب الديمقراطي بالسيطرة على مجلسي الكونغرس، فضلًا عن فوز شخصيات من خلفيات عربية وإسلامية بمقاعد تشريعية، الأمر الذي يفتح المجال أمام تغيير موازين القوى داخل المؤسسات الأمريكية.

السؤال: كيف تؤثر الانتخابات في العلاقات الدولية؟

المعروف أن أي نظام تفرزه صناديق الاقتراع يحتاج لقبول واعتراف دوليين بدرجات متفاوتة، ليس شرطًا من الجانب الرسمي حتى يستمر في الحكم، فالمساحة السياسية لأي شخص وحزب تفرزه صناديق الاقتراع تزيد وتقل حسب مستوى الاعتراف الدولي؛ لأن أي نظام لا يمكنه العيش بمعزل عن البيئة الدولية، فالاعتراف يعني استمرارية سيرورة التعامل والتفاعل مع ما يحدث ويصدر داخل الدولة، وعدمه يعني توقف أو بطء التفاعل أو التعامل، خاصة إن كان النظام المُنتخب يختلف من حيث البرامج عما ينسجم مع الدول الكبرى والمؤثرة، كما حدث في الانتخابات التشريعية في فلسطين 2006 والانتخابات الرئاسية في مصر 2012 وغيرها من الدول.

ومثال على تأثير الانتخابات في العلاقات الدولية، فالمتابع لحالة الانتخابات الإسرائيلية الحالية يلحظ أنها تحظى بمتابعة عالمية لما لنتائجها من دورٍ في إعادة رسم خارطة سياسة الدول تجاه إسرائيل، بحكم أن كثيرًا منها تضررت علاقاتها سلبًا معها بفعل عدوانها على الأراضي الفلسطينية، وخاصة غزة، منذ أكتوبر 2023، حيث تجاوز رد الفعل الإسرائيلي حدود المنطق والمنطقة والقانون.

أما ما حدث في الولايات المتحدة الأمريكية فيما يتعلق بانتخابات التجديد النصفي للكونغرس، حيث سيطر الديمقراطيون على مجلسي الكونغرس، فهذا الفوز يعني تراجعًا في شعبية ترامب خلال الفترة الماضية؛ لأن تلك السياسة ساهمت بشكل سلبي في الإساءة لصورة الولايات المتحدة بعد مواقف الإدارة الأمريكية المؤيدة لسياسة نتنياهو من ملفات كثيرة، أبرزها الحرب على غزة وإيران، وأن تلك الحرب هي رغبة نتنياهو، وليس لأمريكا ناقة فيها ولا جمل، كما قال الحارث بن عباد حين وقعت حرب البسوس بين قبيلتي بكر وتغلب في الجاهلية.

فالدول تنتظر ما ستسفر عنه حالة الغموض في الساحة الانتخابية الإسرائيلية والأمريكية حتى تحدد الخطوات الواجب اتباعها تجاهها، فذهاب نتنياهو قد يخفف مستوى القطيعة التي أنتجها مع دول عديدة، كما أن تحجيم حزب ترامب الجمهوري بوجود شخصيات معارضة قوية قد يحد من سياسته الخارجية التي يعتبرونها متهورة ومسيئة لأمريكا.

يبقى القول واجبًا بأن الانتخابات وما تفرزه تلعب دورًا كبيرًا في تفعيل سيرورة العلاقات الدولية وفتح آفاق التفاعل والتعامل مع الدول الأخرى، فالحزب القادم من حضن الشعب قد تُفتح له الحدود والسدود، غير أن تلك الشرعية وحدها لا تضمن له قبولًا دوليًا ما لم تتقاطع حسابات القوى الدولية مع إرادة الشعوب ويسعى الجميع لفتح أو تأكيد العلاقات معه.

وشخصيًا، أرى أن العلاقات الدولية ستعود مع إسرائيل تدريجيًا في حال غياب نتنياهو عن المشهد السياسي، وأن ترامب سيلجأ إلى ما يمكنه من تجاوز عقبة فوز الديمقراطيين، وربما يستمر في حالة اللاوضوح السياسي في كثير من القضايا الداخلية والخارجية.

المصدر / فلسطين أون لاين