في التاسع من ديسمبر/كانون الأول 2024، انقلبت حياة فرح محمود الكحلوت، ذات الأعوام الثمانية عشر، رأسًا على عقب، حين استهدف القصف الإسرائيلي منزل عائلتها في بيت حانون شمالي قطاع غزة، فانتُشلت من تحت الأنقاض مثقلة بالجراح، بعدما فقدت والدها ووالدتها وشقيقتها جنى، ونجت هي من الموت، لكنها خرجت من تحت الركام بإصابات بالغة أفقدتها قدمها اليسرى وبصرها، لتبدأ رحلة قاسية تتداخل فيها آلام الجسد مع مرارة فقدان العائلة التي كانت تمثل لها السند والأمان.
وتقول فرح، لصحيفة "فلسطين"، مستعيدة اللحظات التي أعقبت إصابتها: "ما استوعبت اللي صار، كانت صدمة، وكنت عايشة على المهدئات. حاولت أنسى، لأن جروحي كانت في كل مكان، والوجع كان في كل مكان".
كانت الصدمة أكبر من قدرتها على الاستيعاب؛ فالألم الذي أحاط بها لم يكن جسديًا وحده، بل امتد إلى إدراكها التدريجي أنها فقدت عائلتها، وأن الحياة التي كانت تجمعهم تحت سقف واحد لن تعود كما كانت، أمضت شهرين في المستشفى، في رحلة علاج لم تُنهِ معاناتها، إذ بقيت آثار الإصابة تلاحقها، في حين ظل غياب والديها وشقيقتها جرحًا مفتوحًا لا تمنحه الأيام فرصة للالتئام.
ولم يكن فقدان الأب والأم والشقيقة مجرد غياب لأشخاص تحبهم فرح، بل خسارة للسند والحنان والشعور بالأمان، ففي سن الثامنة عشرة، وجدت نفسها أمام مسؤولية التعايش مع إصابة غيّرت حياتها، في وقت كانت فيه أحوج ما تكون إلى حضن أمها ووجود أبيها إلى جانبها.
ولا يأتي الحزن دفعة واحدة، بل يتجدد في تفاصيل الحياة اليومية، حين تحتاج فرح إلى من يساندها في مواجهة ظروفها الصحية، أو حين تمرّ بلحظة كانت تتمنى أن تشاركها مع أسرتها، فالأشخاص الذين كانوا يمنحونها القوة لم يعودوا موجودين، وبات عليها أن تواجه الألم والغياب معًا.
وتبدو العائلة، في ذاكرتها، أكثر من مجرد أفراد يجمعهم منزل؛ إنها تفاصيل صغيرة صنعت معنى الحياة، من الضحكات والصلوات المشتركة إلى الجلسات العائلية والوجبات التي كانوا يلتفون حولها. تستحضر فرح تلك اللحظات بوصفها جزءًا من عالم افتقدته فجأة، ولم تعد قادرة على استعادته إلا بالذاكرة.
تضيف بحسرة: "بكل لحظة بنفتقدهم، لأن العيلة صارت متفككة، بطل في ضحك زي قبل، ولا أب يسندنا".
وتتابع استذكار الأيام التي جمعتها بعائلتها: "بتذكر ضحكنا وصلاتنا مع بعض، وكيف كانوا يقومونا لقيام الليل، وطلعاتنا، ولما كنا نقعد على الأكل جماعة".
فتلك التفاصيل التي ربما بدت عادية في الماضي، أصبحت اليوم أكثر ما تتمسك به فرح في ذاكرتها، فاجتماع الأسرة حول مائدة الطعام، والصلاة معًا، والضحكات التي كانت تملأ المكان، تحولت إلى صور تستحضرها كلما اشتد عليها الشعور بالوحدة، لتدرك حجم ما انتزعته الحرب من حياتها.
وبحسب بيان للمكتب الإعلامي الحكومي في غزة الشهر الماضي، فإن (+6,020) أسرة أبادها الاحتلال ومُتبق منها ناج وحيد (بعدد 12,917 شهيداً)، منذ بدء الاحتلال الحرب في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
علاج مؤجل
وإلى جانب الفقد الذي يثقل روحها، تواجه فرح معركة صحية لا تقل صعوبة، حيث فقدان قدمها اليسرى وبصرها جعل حياتها أكثر تعقيدًا، فيما يثير تدهور وضعها الصحي مخاوفها من تفاقم الأضرار التي لحقت بعينيها. وهي اليوم تنتظر فرصة للسفر خارج قطاع غزة، بحثًا عن العلاج الذي تحتاج إليه، وأملًا في الحفاظ على ما يمكن إنقاذه من بصرها.
وتؤكد أن حاجتها إلى العلاج خارج القطاع لم يعد أمرًا يمكن تأجيله، قائلة: "بتمنى أسافر للخروج لتلقي العلاج، لأن وضعي الصحي مدمر، وعيني بتتضرر وبتزيد حالتها سوءا".
بالنسبة إلى فرح، يعني السفر فرصة للحصول على رعاية طبية تحتاج إليها، في ظل المخاوف المتزايدة بشأن حالتها، فبعد أن فقدت قدمها اليسرى وبصرها، بات القلق على عينيها عبئًا إضافيًا يرافق معاناتها، فيما تنتظر فرصة للعلاج قد تساعدها على حماية ما تبقى من قدرتها على الإبصار.
ويحرم الحصار الإسرائيلي أكثر من 20 ألف جريح ومريض في غزة من السفر لتلقي العلاج، وفق معطيات وزارة الصحة.
وتقف فرح اليوم أمام مستقبل لم تختر ملامحه؛ تحمل آثار إصاباتها، وتفتقد عائلة كانت مصدر قوتها، وتنتظر بابًا للعلاج يعينها على مواجهة واقعها الصحي.
وبين ذكريات بيت جمعهم ذات يوم، وواقع فرض عليها حياة مختلفة، تبقى أمنيتها أن تحصل على العلاج الذي تحتاج إليه، وأن تجد طريقًا للتعايش مع خساراتها المتعددة.