شهدت قضية حي الشيخ جراح تطورات عديدة خلال العام الحالي، فلم يقتصر استهداف الحي على محاولات إخلاء العائلات الفلسطينية من منازلها والاستيلاء على عقاراتها، فمن الواضح بأن هناك سعيًا من قبل أذرع الاحتلال لإعادة تشكيل الحي عمرانيًا وديموغرافيًا، عبر إقامة بؤر استيطانية ومؤسسات ذات طابع ديني وتعليمي، تتداخل فيها الأدوات القانونية والتخطيطية مع الأهداف السياسية.
إذ يكشف الإعلان عن مخطط جديد لإقامة 122 وحدة استيطانية على أنقاض فندق "شبرد" التاريخي، عن مخططات ممنهجة، تُحاصر فيها المشاريع الاستيطانية منازل الفلسطينيين، وتكرّس الوجود الاستيطاني في الحيّ، وتحوله إلى وقائع يصعب التراجع عنها.
ويمتد المشروع بحسب المعطيات، على مساحة 5.8 دونمات، وبارتفاع يصل إلى 12 طابقًا، في خطوة تعزز الحضور الاستيطاني في أحد الأحياء الأكثر حساسية في القدس المحتلة، ويستبطن المشروع جملةً من المخاطر، نستعرض أبرزها في هذا المقال، مع ربط المشروع الجديد بالمشاريع السابقة، في سياق فهم أهداف الاحتلال الرامية إلى فرض المزيد من التضييقات على السكان، وتغيير ملامح الحي التاريخية والاجتماعية، وتعميق الفصل بين الأحياء الفلسطينية في المدينة المحتلة.
حيّ في قلب معركة السيطرة على القدس
يكتسب حيّ الشيخ جراح أهميته من موقعه شمال البلدة القديمة، إذ يشكل حلقة وصل بين الأحياء الفلسطينية في مركز القدس وجنوبها، ونظيرتها في شمال المدينة، وقد احتفظ الحي، إلى جانب أهميته الجغرافية، بمكانة سياسية وثقافية بارزة، إذ ضمّ منزل مفتي القدس الحاج أمين الحسيني، ومقر "بيت الشرق"، إلى جانب المسرح الوطني الفلسطيني، ومؤسسات تعليمية ودولية، فضلًا عن مقرات بعثات دبلوماسية ومنظمات أممية، وأبرزها مقر وكالة الأونروا في الأراضي المحتلة، والذي دمرته جرافات الاحتلال بقرارٍ من "الكنيست".
ونظرًا لهذه الأهمية ولموقع الحيّ الاستراتيجيّ، تصاعد استهداف الحي في سياق مساعي الاحتلال إعادة هندسة المجال المحيط بالبلدة القديمة والمسجد الأقصى المبارك، عبر توسيع الامتداد الاستيطاني بين محيط الجامعة العبرية والمناطق الاستيطانية في القدس المحتلة، وتعزيز الفصل العمراني بين الأحياء الفلسطينية شمال المدينة والبلدة القديمة وسلوان.
وتعود محاولات السيطرة على الشيخ جراح إلى ما قبل عام 1967، لكنها اتخذت مسارًا أكثر تنظيمًا بعد الاحتلال، مستفيدة من تشريعات إسرائيلية، في مقدمتها قانون الشؤون القانونية والإدارية لعام 1970، الذي أتاح لجهات يهودية المطالبة بعقارات في الشطر الشرقي من القدس المحتلة، بذريعة ملكيتها لهذه الأراضي أو العقارات قبل عام 1948، في حين لا يتمتع اللاجئون الفلسطينيون بحق مماثل لاستعادة أملاكهم التي فقدوها في الشطر الغربي من المدينة. وقد أسهم هذا الاختلال القانوني في فتح الباب أمام جمعيات استيطانية لملاحقة العائلات الفلسطينية في الحي، وتحويل نزاع الملكية إلى مسار متواصل من التهديد بالإخلاء والاستيلاء.
من الإخلاء إلى فرض الوقائع العمرانية
وقد مثّلت قضية العائلات الفلسطينية في حي الشيخ جراح، التي تصاعدت بصورة لافتة عام 2021، نموذجًا واضحًا لهذا المسار، فقد واجهت عائلات الحي، على مدى سنوات طويلة، دعاوى قضائية وإجراءات إخلاء استندت إلى ادعاءات الملكية من قبل الجمعيات الاستيطانيّة، وأفضت بعض هذه الإجراءات إلى إخراج عائلات من منازلها، كما حدث مع عائلتي الغاوي وحنون عام 2009، وعائلة شماسنة عام 2017.
وعلى الرغم من هذه الهجمة الاستيطانية الشرسة، والتي تتضافر فيها أذرع الاحتلال القانونية والاستيطانيّة، إلا أن صمود سكان الحيّ واتساع التضامن الفلسطيني والدولي مع قضيتهم، عرقلا محاولات الاحتلال حسم هذه المعركة من خلال الإخلاء القسريّ، وهو ما دفع أذرع الاحتلال للمضي قدمًا في إقرار المزيد من المشاريع الاستيطانية الجديدة، والتي تتيح له فرض حضور استيطاني متزايد داخل الحيّ، بدل الاكتفاء بملاحقة العائلات في المحاكم، وتضييق الخناق عليهم بشكلٍ متدرج عبر زيادة وتيرة الحضور الاستيطاني في الحيّ، عبر أدوات تغيير البيئة العمرانية المحيطة بهم، ورفع أعداد المستوطنين.
ويبرز في هذا السياق مشروع مؤسسة "أور سوماياخ" الدينية، الذي يُعدّ أنموذجًا للاستيطان تحت غطاء التعليم. ففي 23 نيسان/أبريل 2026، كشفت منظمة "عير عميم" الحقوقية الإسرائيلية أن لجنة التخطيط والبناء في بلدية الاحتلال وافقت على مخطط لإقامة مدرسة دينية يهودية في الحي، بعد رفض الاعتراضات التي قدمتها المنظمة بالاشتراك مع جمعية الشيخ جراح المجتمعية.
وتعود خلفية المشروع إلى عام 2007، حين تنازلت بلدية الاحتلال عن قطعة أرض كانت مخصصة للمرافق العامة لمصلحة "سلطة أراضي إسرائيل"، التي نقلتها بدورها إلى مؤسسة "أور سوماياخ" من دون مناقصة، ليتحول تخصيص الأرض إلى مشروع لإقامة مدرسة دينية.
ويقع المشروع على مساحة تقارب خمس دونمات، عند المدخل الجنوبي للحي، مقابل مسجد الشيخ جراح، ويتضمن مبنى بارتفاع 11 طابقًا، ومرافق تعليمية وسكنًا لمئات الطلاب، إضافة إلى مساكن لأعضاء الهيئة التدريسية. وهذه المواصفات تجعل المشروع، وفق قراءة أبعاده ومكوناته، أقرب إلى مجمع استيطاني ذي حضور سكاني دائم، لا إلى منشأة تعليمية محدودة الأثر.
"أمانا" ونقل أدوات الاستيطان إلى القدس
أما المخطط الجديد لإقامة 122 وحدة سكنية على أنقاض فندق "شبرد"، فتبرز دلالته في الجهة التي تقف خلفه، وهي حركة "أمانا" الاستيطانية، المعروفة بنشاطها في دعم التوسع الاستيطاني وإقامة البؤر في الضفة الغربية، ويُشير انتقال جزء من نشاطها إلى مشروع داخل حيّ الشيخ جراح إلى أبعادٍ أخرى، تتصل بأهداف الاحتلال المتمثلة بتغيير الميزان الديموغرافي في المدينة، وتكثيف المشاريع الاستيطانية في القدس والضفة الغربية المحتلتين، إضافةً إلى تداخل عملها مع الجهات الرسمية والتخطيطية لدى الاحتلال، وهو ما يسرّع تحويل الأراضي والمواقع المستهدفة إلى مشاريع استيطانية.
ويأتي المشروع امتدادًا لمسار يستهدف إحداث تغيير متراكم في الحي، لا سيما مع وجود مشاريع أخرى ذات طابع استيطاني أو تهويدي، من بينها مشروع "أور سوماياخ" آنف الذكر، ومشروع تحويل المقر الرئيس لوكالة "الأونروا" إلى مشروع استيطاني يضم نحو 1400 وحدة استيطانيّة، على مساحة تقدّر بنحو 42 دونمًا، وتسعى هذه المشاريع إلى تعزيز الكثافة الاستيطانية في نقاط متقاربة داخل النسيج الفلسطيني، وزيادة الاحتكاك بين المستوطنين والسكان، وما يرتبط بذلك من توسيع الحضور الأمني والعسكري، وتقييد حركة الأهالي. وتتجاوز آثار هذه المشاريع حدود المباني التي تقام عليها؛ إذ يمكن أن تسهم في تطويق المنازل الفلسطينية، وإضعاف التواصل الاجتماعي والعمراني بين أجزاء الحي، وتهيئة الظروف لمزيد من الاعتداءات والضغوط على السكان. كما أن توظيف عناوين مثل التعليم أو التطوير العمراني لا يلغي طبيعة هذه المشاريع ولا سياقها.
معركة تتجاوز حدود الحي
أخيرًا، إن ما يجري في حيّ الشيخ جراح يعكس إستراتيجية أوسع لتغيير التركيبة السكانية والجغرافية للقدس المحتلة، تقوم على مسارين متكاملين: تعزيز الوجود الاستيطاني داخل الأحياء الفلسطينية، والضغط على السكان الأصليين عبر الإخلاء والتضييق وتقييد إمكانات التوسع العمراني.
وفي هذا الإطار، يشكل الحي موقعًا محوريًا في محاولات وصل التجمعات الاستيطانية، وعزل الأحياء الفلسطينية عن بعضها، وإضعاف امتدادها نحو البلدة القديمة والمسجد الأقصى.
وعلى الرغم من كل هذه المخاطر، يظلّ الصمود الفلسطيني في الحيّ وفي مناطق القدس المحتلة وأحيائها المختلفة، هو العقبة الأساسيّة أمام مشاريع الإحلال والتهويد.
ولكن موجات العدوان الأخيرة، وتلك الوحشية التي ظهرت خلال حرب الإبادة وتطال كل الأراضي الفلسطينيّة، تُشير بأن الاحتلال ليس بعيدًا عن تكرار ما جرى في الخليل أو في مخيمات الضفة الغربية في القدس المحتلة، مجبرًا السكان على التهجير القسريّ، وهي من دون أدنى شك ستكون مرحلة بالغة الخطورة، تقتضي التعامل مع هذه المشاريع بطرق وأشكال مختلفة، وتستوجب مقاربات جديدة في سياق واقع يريد الاحتلال تجاوزه في سياق سعيه إلى تحقيق مدينته اليهوديّة التي يحلم بها.


