يُعمق جيش الاحتلال انتهاكاته في قطاع غزة متسببًا بنزيف فلسطيني لا يتوقف وارتقاء المزيد من المدنيين رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025.
وتتنوع الانتهاكات الإسرائيلية التي جعلت الاتفاق مثقلاً بالخروقات، لتشمل عمليات القصف بالمقاتلات المتطورة والطائرات دون طيار، وإطلاق النيران المستمر على المناطق القريبة مما يسمى "الخط الأصفر".
ودخلت حرب الإبادة على غزة يوم 7 أكتوبر 2026، عامها الرابع على التوالي منذ اندلاعها في نفس اليوم من عام 2023.
وأورد المكتب الإعلامي الحكومي، أمس، معطيات جديدة حول خروقات الاحتلال لاتفاق وقف النار، مؤكدًا رصده 5989 خرقًا منذ دخوله حيز التنفيذ، أسفرت عن استشهاد 1593 مواطنا وإصابة 5748 آخرين، واعتقال 217 مواطنًا.
وفي بيان له، اتهم المكتب الإعلامي جيش الاحتلال بمواصلة انتهاك الاتفاق المبرم بوساطة تركيا ومصر وقطر، وبرعاية كاملة من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
ماضية في الإبادة
بدوره، أكد الكاتب والمحلل المحلل السياسي خالد صادق، أن (إسرائيل) ماضية في مسلسل القتل والإبادة، مشيرًا إلى أن استمرار الاغتيالات والانتهاكات يعكس إصرار حكومات الاحتلال المتعاقبة على تنفيذ مخطط يهدف إلى تهجير الفلسطينيين من أرضهم وجعل قطاع غزة مكانًا غير صالح للحياة.
وأوضح صادق لصحيفة "فلسطين"، أن الاحتلال ينفذ مخططًا ممنهجًا يستهدف الوجود الفلسطيني من خلال القصف والقتل والتدمير، إلى جانب نشر الأمراض والأوبئة وتفاقم الأوضاع الإنسانية، لافتًا إلى أن هذه السياسات لا تقتصر على قطاع غزة، بل تمتد أيضًا إلى الضفة الغربية.
وأوضح أن المدنيين الفلسطينيين، بمن فيهم الأطفال والنساء وكبار السن، باتوا أهدافًا مستمرة للهجمات الإسرائيلية، مشيرًا إلى أن عمليات القتل لا ترتبط بالضرورة باتهامات يوجهها الاحتلال إلى المستهدفين، وإنما تأتي في سياق سياسة تستهدف الفلسطينيين وتدفعهم إلى مغادرة أرضهم.
وأضاف أن جرائم الاحتلال المتواصلة تكشف ثبات سياسات الاحتلال، بصرف النظر عن التغيرات السياسية أو الانتخابات وتبدل الأشخاص في مواقع الحكم، مؤكدًا أن هذه السياسة مستمرة في ظل غياب المحاسبة الدولية الفاعلة.
وأشار صادق إلى أن انتهاكات الاحتلال بحق المواطنين تتخذ أشكالًا متعددة، تشمل إطلاق النار من الزوارق الحربية والطائرات والدبابات، فضلًا عن عمليات الاغتيال التي تنفذها الطائرات المسيّرة بدون طيار والمقاتلات الحربية، إلى جانب تحركات المليشيات المسلحة المتعاونة مع الاحتلال في مناطق سيطرته والتي تستهدف الفلسطينيين أيضًا، ما يعكس اتساع أدوات الضغط والقتل المستخدمة ضد سكان القطاع.
وحذَّر صادق من أن المرحلة المقبلة قد تشهد مزيدًا من الانتهاكات والاعتداءات في قطاع غزة ومناطق أخرى من الأراضي الفلسطينية المحتلة، مؤكدا أن استمرار الاحتلال في نهجه الحالي لا يشير إلى وجود تحول حقيقي نحو وقف الجرائم أو إنهاء معاناة الفلسطينيين.
وأكد أن الأهداف المعلنة للحرب بما فيها تهجير الفلسطينيين، ما تزال حاضرة في سياسات الاحتلال، مشددًا على أن تغير الحكومات أو استمرار المسارات السياسية لن يؤدي، بحد ذاته، إلى وقف الخروقات ما لم تتغير سياسات الاحتلال القائمة تجاه الشعب الفلسطيني.
ووفق تقارير إعلامية، فإن أكثر من 100 منظمة إنسانية وحقوقية حول العالم تعدُّ أن اتفاق وقف إطلاق النار بات "قائمًا بالاسم فقط" نظرًا لاستمرار الخروقات والهجمات الإسرائيلية اليومية.
تغييرات غير ملموسة
بدوره، أكد المحلل السياسي المختص بالشأن الإسرائيلي شاكر شبات، أن سياسة الاحتلال تجاه قطاع غزة لم تشهد تغييرًا جوهريًا منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، مشيرًا إلى أن حكومة بنيامين نتنياهو لا تزال تمضي في نهجها الأمني والسياسي، تترجمه الجرائم بغزة وارتقاء الشهداء.
وأوضح شبات لـ"فلسطين"، أن نتنياهو لا يزال صاحب القرار في إدارة السياسات الأمنية الإسرائيلية، وأن التطورات الميدانية في غزة تأتي في إطار تنفيذ توجهاته، التي تقوم على استمرار الضغط العسكري والأمني مع تفاوت حدة التصعيد بين فترة وأخرى.
لكن هذه السياسات، وفق رأيه، تتسم بالتذبذب في مستوى التصعيد، إذ تشهد أحيانًا ارتفاعًا في وتيرة الهجمات، وتتراجع حدتها في أوقات أخرى، لكن ذلك لا يعني حدوث تحول فعلي في النهج المتبع تجاه القطاع.
وفيما يتعلق بالمرحلة التي ستلي انتخابات "الكنيست" الإسرائيلي، أشار شبات إلى أن المشهد السياسي ينطوي على تعقيدات، معتقدًا أن أي تغيير في تركيبة حكومة الاحتلال الجديدة قد ينعكس على طريقة التعامل الأمني والسياسي مع قطاع غزة.
واعتبر أن وصول غادي آيزنكوت كرئيس جديد لحكومة الاحتلال، حتى في حال عدم مشاركة نتنياهو فيها، قد يفتح المجال أمام تغييرات في إدارة الملف الفلسطيني، لكنه شدد على أن ذلك لا يعني بالضرورة حدوث تحول جذري في سياسات الاحتلال.
وأوضح أن مواقف آيزنكوت من قطاع غزة تتضمن توجهات تتعلق بتنفيذ خطة ترامب المرتبطة بما يسمى "اليوم التالي" للحرب، ما يعني أن الاختلاف المحتمل قد يتعلق بآليات التنفيذ وأولوياته أكثر من ارتباطه بتغيير الأهداف الأساسية.
وأكد شبات أن أي تغيير سياسي محتمل لن يؤدي بصورة مباشرة وفورية إلى إنهاء العدوان العسكري أو بدء إعادة إعمار قطاع غزة، إذ ستظل هذه الملفات مرتبطة باعتبارات أمنية ومواقف المؤسسة العسكرية في (إسرائيل).



