لم تكن وجهتهم ساحة مواجهة، ولم يحملوا سوى مهامهم اليومية في حفظ الأمن وتنظيم شؤون المواطنين والنازحين، لكن صاروخاً إسرائيلياً باغتهم في أثناء وجودهم في نقطة للشرطة بمنطقة مواصي خانيونس، جنوبي قطاع غزة، أمس، لينهي حياة خمسة من ضباط وعناصر الشرطة، ويحوّل مكان عملهم إلى ساحة من الدماء والوجع.
وفي مشهد يتكرر يومياً في قطاع غزة، وصل الشهداء الخمسة إلى مجمع ناصر الطبي، وهم: المقدم محمد زكريا شاكر الجمل (44 عاماً)، والرائد بسام نعمان مراد مقداد (53 عاماً)، والرقيب أول محمد أمين محمود النمس (37 عاماً)، ومعاون الشرطة شاهر محمد احميدان زعرب (28 عاماً)، ومعاون الشرطة محمد علي حسين أبو شعر (23 عاماً)، بعد استهداف إسرائيلي طال نقطة الشرطة التي كانوا يؤدون فيها مهامهم الاعتيادية.
وتعيد هذه الجريمة تسليط الضوء على استمرار الاستهداف الإسرائيلي للغزيين رغم إعلان وقف إطلاق النار، في خرق متكرر للاتفاق، وسط غياب إجراءات دولية فاعلة تحول دون استمرار وقوع الضحايا، أو تلزم الاحتلال الإسرائيلي بوقف هجماته المتواصلة.
“كل يوم شهداء.. أين الهدنة؟”
أمام جثمان ابن شقيقه، وقف طلال حسين محمد أبو شعر عاجزاً عن استيعاب الفاجعة، بعدما تلقى نبأ استشهاد محمد، الذي خرج صباحاً إلى عمله كالمعتاد، قبل أن يعود إلى عائلته محمولاً على الأكتاف.
وقال أبو شعر لمراسل صحيفة "فلسطين"، إن العائلة فوجئت بخبر استهداف مكان عمل الشهيد، فتوجهت إلى مجمع ناصر الطبي، حيث تأكدت من استشهاده، مضيفاً بألم: “هذه ليست هدنة، فالهدنة المفترض أن تعني وقف القتل والموت، لكننا لا نرى أي توقف، كل يوم شهداء”.

وتابع أن القصف لا يستثني أحداً، وأن الضحايا من الأطفال والنساء والرجال وكبار السن، مشدداً على أن الشهداء الذين سقطوا لا علاقة لهم بالمواجهات، وإنما هم أشخاص عزل كانوا يؤدون أعمالهم اليومية، قبل أن يختتم حديثه بالقول: “حسبنا الله ونعم الوكيل”.
“كان يعمل لحماية المواطنين”
وبملامح يكسوها الحزن، روى إياد الجمل، شقيق الشهيد محمد الجمل، تفاصيل الساعات الأخيرة لشقيقه، قائلاً إنه خرج إلى دوامه بصورة اعتيادية، قبل أن تتلقى العائلة نبأ قصفه أثناء وجوده في مكان عمله.
وأوضح أن شقيقه كان يعمل في جهاز الشرطة، وكانت طبيعة عمله تتمحور حول حماية المواطنين والقيام بالمهام الأمنية المدنية، مضيفاً أن الاستهداف الإسرائيلي طال نقطة الشرطة التي كان يوجد فيها.
وقال الجمل إن شقيقه عُرف بين الناس بأخلاقه الطيبة وسيرته الحسنة، وإن محبته لم تقتصر على منطقته في رفح، بل امتدت إلى محيطه في خانيونس، حيث يعرفه كثيرون ويشهدون له بحسن التعامل.
وأضاف أن الاحتلال يواصل، منذ بداية الحرب، مخالفة التعهدات والاتفاقات، ولا يلتزم بما يعلنه من تفاهمات، مؤكداً أن استمرار القتل يجعل الحديث عن وقف إطلاق النار بعيداً عن واقع الفلسطينيين الذين يعيشون تحت وطأة القصف والخوف.
“مهمتهم تأمين المجتمع لا مواجهة أحد”
من جانبه، أكد فريد مقداد، ابن عم الشهيد بسام مقداد، أن الأخير توجه برفقة مجموعة من ضباط وعناصر الشرطة إلى نقطة في مواصي خانيونس، ضمن مهامهم المتعلقة بتأمين المجتمع المحلي، قبل أن تستهدفهم طائرات الاحتلال بالصواريخ.

وقال مقداد إن خمسة من ضباط وعناصر وزارة الداخلية ارتقوا جراء القصف، مشيراً إلى أن هؤلاء الشهداء كانوا يعملون في جهاز الشرطة المدنية، ولا يمارسون أي نشاط عسكري ضد الاحتلال، بل تتركز مهامهم في حفظ الأمن وإصلاح المجتمع وتنظيم حركة السير وتأمين المواطنين.
وأضاف أن الشهيد بسام يعمل في الشرطة المدنية التابعة لوزارة الداخلية، مؤكداً أن طبيعة عمله كانت مدنية وخدمية.
وتساءل مقداد عن جدوى الحديث عن وقف إطلاق النار في ظل استمرار القصف وارتقاء الشهداء، قائلاً إن المواطنين في قطاع غزة يعيشون واقعاً لا يشبه الهدنة المعلنة، وإن القتل لا يزال مستمراً رغم التعهدات الدولية.
خمسة أطفال ينتظرون أباهم
وفي فاجعة أخرى، لم يكن استشهاد محمد أمين النمس مجرد فقدان لرجل من رجال الشرطة، بل مأساة عائلة كاملة تنتظرها حياة مثقلة بالغياب؛ فقد ترك الشهيد خلفه زوجة وخمسة أطفال، كانوا ينتظرون عودته من عمله، قبل أن يتحول انتظارهم إلى رحلة طويلة من الحزن والفقد.
وقال عبد الله النمس، ابن عم الشهيد، إن خبر الاستهداف وصلهم بعد سماع أصوات سيارات الإسعاف، ومتابعة الأنباء التي تحدثت عن سقوط شهداء في مواصي خانيونس، قبل أن يتأكدوا من استشهاد محمد أمين.

ووصفه بأنه صاحب أخلاق طيبة وسيرة حسنة، قائلاً: “محمد ما شاء الله، قرآن يمشي على الأرض”، مشيراً إلى أن محبته بين الناس بدت واضحة في حجم الحزن الذي خيّم على معارفه وأبناء منطقته.
وأكد أن الشهيد كان موظفاً في جهاز الشرطة المدنية، ولا علاقة له بالعمل العسكري، مستنكراً استمرار القصف رغم الإعلان عن وقف إطلاق النار، ومشيراً إلى أن الفلسطينيين لا يزالون يعيشون تحت أصوات الطائرات والاستهدافات المتواصلة.
75 شهيداً من الشرطة منذ الهدنة
وفي أعقاب المجزرة، نعت وزارة الداخلية والأمن الوطني الشهداء الخمسة، وأدانت استهدافهم أثناء تأدية عملهم الاعتيادي، مطالبة المجتمع الدولي بالتحرك العاجل والضغط على الاحتلال لوقف استهداف جهاز الشرطة الذي يؤدي، وفق بيانها، مهاماً مدنية في حفظ أمن المواطنين وسلامتهم.
وأوضحت الوزارة أن الاستهدافات الإسرائيلية الممنهجة أدت إلى استشهاد 75 ضابطاً وعنصراً من الشرطة منذ سريان وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي، في مؤشر على استمرار استهداف العاملين في هذا الجهاز رغم الاتفاق المعلن.
وبينما كانت العائلات تودع أبناءها أمام مجمع ناصر الطبي، كانت الأسئلة تتجدد حول مصير اتفاق وقف إطلاق النار، ودور الوسطاء والجهات الدولية في ضمان تنفيذه، في وقت لا تزال فيه دماء الفلسطينيين تسيل بصورة يومية، دون أن يلمس السكان حماية فعلية أو تحركاً يضع حداً لهذه الانتهاكات.
خمسة رجال خرجوا إلى أعمالهم، ولم يعودوا، وخلف كل واحد منهم عائلة وأحلام وحياة انقطعت بقصف جديد، يضيف أسماء أخرى إلى سجل الضحايا، ويترك الفلسطينيين أمام واقع تتراجع فيه قيمة الهدنة إلى مجرد إعلان، بينما يستمر الموت في ملاحقتهم حتى في أماكن عملهم.

