لم يكن الموظف في وزارة التربية والتعليم محمود قفة يتوقع أن تكون رحلته إلى عمله أمس هي الأخيرة، وأن يتحول طريقه إلى المدرسة إلى محطة وداع موجعة، بعدما استهدفته طائرة حربية إسرائيلية دون طيار بصاروخ في مدينة خانيونس جنوبي قطاع غزة، لينهي القصف حياته ويترك أطفاله الثلاثة وعائلته أمام فاجعة ثقيلة.
وفي مجمع ناصر الطبي، ودّع ذوو الشهيد جثمانه بقلوب مثقلة بالحزن والصدمة، قبل أن يحملوه على عجل، بعد الصلاة عليه، لمواراة جثمانه في الثرى، وسط مشاهد مؤلمة اختلطت فيها الدموع بالدعاء، في وداع رجل خرج صباحاً لأداء عمله، فعاد جثماناً تحمله أيدي أحبائه.
“كان رايح على المدرسة.. إيش ذنبه؟”
بصوت يختنق بالقهر، تتحدث هدى قفة، شقيقة الشهيد، عن الساعات التي سبقت الفاجعة، حين خرج شقيقها وزوجها صباحاً إلى عملهما، قبل أن تتلقى العائلة نبأ استشهاد محمود، في حين أُصيب زوجها ونُقل إلى قسم العناية المركزة.
وتقول هدى لصحيفة "فلسطين": “الحمد لله.. اليوم كان أخويا وجوزي رايحين على الشغل، أخويا بيشتغل أستاذ بالمدرسة، لا بيه ولا عليه، ما بنستبق إلا خبر استشهاده، وهي جوزي بالعناية المركزة”.
وتضيف، وهي تستحضر حجم المأساة التي حلت بالعائلة: “طب ليش؟ إيش ذنبهم الأطفال هذول يتيتموا؟ مش عارفة إيش بدهم اليهود منا؟ إيش ضايل بعد هيك؟ إيش ضايل؟”.
ولا تخفي هدى قهرها من استهداف شقيقها، معتبرة أن الهجمات الإسرائيلية تطال المدنيين ومقومات الحياة في القطاع، دون تمييز بين من يؤدي واجبه المهني ومن يسعى إلى تأمين احتياجات أسرته.
وتقول: “اليهود بيستهدفوا المدنيين .. أي حاجة نافعة في هذه البلد بدهم يلغوها، أي حاجة نافعة، أستاذ، شجر، حجر، أي حاجة نافعة في هذه البلد بدهم يبيدوها إبادة.. إيش السبب؟ وين نروح طيب؟ وين نروح؟”.
ثلاثة أطفال فقدوا والدهم
لم تكن خسارة العائلة مجرد غياب شقيق وابن، بل فقدان أب لثلاثة أطفال ما زالوا في مقتبل العمر، أكبرهم يدرس في الصف الخامس، ليجدوا أنفسهم أمام حياة تغيرت فجأة برحيل والدهم.
وتوضح هدى أن العائلة من سكان مدينة رفح، وقد أجبرت على النزوح تحت القصف وترك منزلها ومكانها بحثاً عن الأمان، قبل أن تطالها مأساة جديدة باستهداف شقيقها أثناء ذهابه إلى المدرسة.
وتتساءل بحرقة: “إحنا من سكان رفح، ونزحنا تحت القصف وتركنا بيوتنا وطلعنا، .. يعني التعليم، بقولك، هو أستاذ ورايح على مدرسته، إيش المشكلة؟ إيش الخلل اللي عمله؟ ما بعرف، حسبي الله ونعم الوكيل”.
وترفض شقيقة الشهيد اعتبار الحديث عن وقف إطلاق النار كافياً في ظل استمرار استهداف المدنيين، قائلة: “وقف إطلاق نار؟ إيش اللي بتقوله؟ أي وقف إطلاق نار؟ شايفين وقف إطلاق نار؟ شفتوه؟ بيستهدفوا المدنيين العزل.. أستاذ رايح على المدرسة، إيش عمل؟ إيش عمل هذا الأستاذ؟”.
استهداف يطال الأسرة التعليمية
وفي سياق متصل، نعت وزارة التربية والتعليم العالي المعلم محمود قفة، الموظف في قسم اللوازم بمديرية التربية والتعليم في رفح، مؤكدة أن استشهاده يأتي مع استمرار الاستهداف الإسرائيلي للمدنيين ومختلف مكونات الأسرة التعليمية في قطاع غزة.
وأوضحت الوزارة، في بيان، أن العاملين في المؤسسات التعليمية والإدارية، إلى جانب المعلمين والطلبة والعاملين في المدارس والجامعات، دفعوا ثمناً باهظاً جراء العدوان الإسرائيلي، محذرة من أن استهداف العاملين في القطاع التعليمي يشكل انتهاكاً للقوانين والمواثيق الدولية التي تكفل حماية المدنيين والعاملين في المؤسسات التعليمية.
وأكدت أن رحيل قفة يمثل خسارة لأحد كوادر مديرية تعليم رفح، الذين واصلوا أداء مهامهم بالرغم من الظروف الإنسانية القاسية، مشيرة إلى أن هذه الاستهدافات تقوض جهود التعافي وإعادة إحياء العملية التعليمية في القطاع.
وفي رسالتها إلى العالم، لم تجد هدى قفة سوى الدعاء والتساؤل عن جدوى الصمت إزاء ما يتعرض له المدنيون، قائلة: “بقول حسبي الله ونعم الوكيل، وربنا يهدي البال.. إيش أقول لهم؟ هم مش شايفين، مش سامعين؟ إيش أقول لهم؟”.
ثم تعود إلى أطفال شقيقها، الذين فقدوا والدهم، وتقول: “أخوي عنده ثلاثة أولاد وبنت، كلهم قُصّر، أكبر واحد في الصف الخامس. الحمد لله، الحمد لله”.
وبينما كانت العائلة تودع محمود وتواري جثمانه في الثرى، بقيت أسئلة شقيقته معلقة في فضاء الفقد: ماذا فعل شقيقها ليستحق الموت؟ ولماذا يقتل الاحتلال إنسانا في طريقه إلى عمله؟ ثلاثة أطفال فقدوا والدهم، وعائلة فقدت شقيقاً وابناً، في مأساة جديدة تضاف إلى سجل استهداف المدنيين في قطاع غزة.