لم تكن نفين المزيني تتخيل أن تصل بها ظروف النزوح القسري إلى أن يترك ابنها المدرسة ليعمل ويعين أسرته، وأن تضطر إلى تزويج ابنتها لتخفف عنها قسوة العيش في الخيام. لكن غياب زوجها، وارتفاع تكاليف الإيجار، وانعدام مصدر الدخل، دفعتها إلى قرارات لم تكن لتختارها لولا ضيق الحال.
تعيش نفين، التي نزحت قسرا من حي الشجاعية شرقي مدينة غزة، في مخيم للنازحين بمنطقة السامر، بعدما اضطرت إلى مغادرة المكان الذي كانت تقيم فيه إثر ارتفاع الإيجار. وهي أم تعيل أبناءها وحدها منذ إصابة زوجها خلال الحرب وسفره إلى مصر لتلقي العلاج، في رحلة تركتها أمام مسؤوليات الأسرة اليومية من دون سند مباشر.
إصابات الحرب
تعود حكاية انفصال الأسرة إلى قصف إسرائيلي استهدف منزل أهلها في حي الزيتون، حيث كانت نفين تقيم نازحة لديهم. أصيب زوجها في ظهره والعمود الفقري، كما أصيبت هي وأطفالها، في حين غادر الزوج إلى مصر للعلاج في السادس من مايو/أيار 2024، بحسب روايتها.
ومنذ ذلك الوقت، وجدت نفين نفسها في مواجهة أعباء تربية الأبناء وتأمين احتياجاتهم، بينما لا يزال زوجها خارج القطاع. ومع انتقالها إلى مخيم السامر، لم تعد المشكلة مقتصرة على تدبير شؤون الأسرة، بل امتدت إلى تأمين مكان للإقامة، مع ارتفاع الإيجارات وضيق الخيارات المتاحة أمام العائلات النازحة.
تقول نفين إن وضعها المالي بالغ الصعوبة، وإنها لم تجد وسيلة لتغطية الاحتياجات الأساسية سوى الاستعانة بعمل ابنها البالغ 15 عامًا، الذي ترك المدرسة ليشارك في إعالة الأسرة، مقابل نحو مائة شيكل أسبوعيًا، وفق ما ورد في شهادتها.
وتبدو هذه الخطوة ثقيلة على أم تدرك أن ابنها ما زال في عمر الدراسة، لكنها تجد نفسها مضطرة إلى الاعتماد عليه في وقت لا يتوافر فيه دخل ثابت يكفي لإطعام الأسرة وتلبية احتياجاتها.
أعباء يومية
لا تنتهي مسؤوليات نفين عند توفير الطعام؛ فالمياه والخبز وسائر الاحتياجات اليومية تتطلب منها جهدًا متواصلًا، مع غياب الزوج واضطرارها إلى القيام بأدوار متعددة وحدها. تخرج في الصباح لتأمين المياه والوقوف في طوابير الخبز، وتحاول توزيع المسؤوليات داخل الأسرة بما يسمح بتدبير الضروريات.
وتقول إن العائلات داخل المخيم كانت تتساند فيما بينها، وإن هذا التكافل ساعدها أحيانًا على تجاوز بعض الاحتياجات، لكن المساندة بين النازحين لا تعوض غياب الموارد المالية ولا تضمن توفر الغذاء بصورة منتظمة.
أما المساعدات الغذائية، فتشير نفين إلى أنها تلقت آخر مساعدة من برنامج الأغذية العالمي في يونيو/حزيران، لتبقى بعد ذلك أمام أسئلة متكررة عن كيفية تدبير الطعام والشراب، خصوصًا مع المخاوف التي تثيرها أوضاع المعابر والإمدادات الغذائية.
وعندما يتجدد الحديث عن المجاعة، لا تجد نفين نفسها قادرة على التفكير طويلًا في احتمال العودة إلى نقطة الصفر. تقول إنها تعيش مرحلة من اليأس، وإن الواقع المحيط بها يضاعف شعورها بالعجز، رغم تمسكها بالأمل.
زواج اضطراري
وفي واحدة من أصعب القرارات التي اتخذتها تحت ضغط الظروف، اضطرت نفين إلى تزويج ابنتها، كما تقول، رغبةً في تخفيف الأعباء عنها وإبعادها عن حياة الخيام وما تفتقر إليه من احتياجات أساسية.
لم يكن القرار، وفق روايتها، منفصلًا عن المعاناة التي تعيشها الأسرة، بل جاء في سياق محاولتها توفير حياة أقل قسوة لابنتها، بعدما ضاقت بها الخيارات وتراجعت قدرتها على تلبية احتياجات جميع أبنائها.
وتصف ما تعيشه الأسر في هذه الظروف بأنه «موت بطيء»، في إشارة إلى الاستنزاف اليومي الذي تفرضه محاولات البقاء وتأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة.
وبين ابن ترك مقاعد الدراسة ليعمل، وابنة زوجتها تحت ضغط الحاجة، وزوج بعيد يتلقى العلاج، تواصل نفين تحمل مسؤولية أسرتها في مخيم النزوح. لا تطلب رفاهية، بل تبحث عن مقومات حياة تحفظ أبناءها من مزيد من الحرمان، بعدما جعلتها الحرب تواجه وحدها قرارات كان يفترض ألا تضطر أم إلى اتخاذها.