بقع دماء متناثرة على الأرض، وخيمة ممزقة وملابس ومقتنيات وطعام متناثر وكراسي فارغة من أصحابها ظلت شاهدة على آخر جلسة عائلية لمحمد علي عويص (33 سنة) مع طفليه زين (4 سنوات) وعزيز (8 سنوات) وزوجته، في أثناء إعداد طعام الغداء أول أمس، قبل سقوط صاروخين من طائرة إسرائيلية حربية دون طيار على باب الخيمة مباشرة، تزامنا مع مرور شاب أمام الخيمة.
كان واضحا لمن يتحكم بالطائرة من ضباط جيش الاحتلال، وجود جلسة عائلية في فضاء مفتوح لا سقف له يحجب الرؤية للطائرة.
في المكان يجلس زوجان وبجانبهما يلهو طفلاهما في مشهد تتجلى فيه الإنسانية، إلا أن كل ذلك لم يمنع وقوع الاستهداف بهذه الطريقة، ليؤكد تعمد الاحتلال قتل الشاب والعائلة بضربة بواحدة، وليمثل أحد أساليب الإبادة التي اتبعها الاحتلال منذ ثلاث سنوات، وارتكب خلالها مجازر بشعة.
أمام الخيمة أحدث القصف ثلاثة ثقوب في الأرض بقيت شاهدة على دموية الاستهداف الذي أدى إلى استشهاد الشاب المار، واستشهاد محمد عويص وطفله زين، وإصابة زوجته بجروح خطيرة أدت لبتر قدمها، أما عزيز فأدت الإصابة التي تعرض لها لبتر أسفل قدميه "المشط".
اللحظات الأولى للقصف
لحظة سقوط الصاروخ ودوي أصوات الانفجارات، كان علي عويص المُكنى "أبو أحمد" وهو والد الشهيد محمد أول من وصل إلى المكان ودخل خيمة نجله ليجد الفاجعة أمامه، ويروي لصحيفة "فلسطين" بقلب مثقل بوجع الفقد في أثناء استقباله المعزين أمام الخيمة: "عندما حدث الانفجار كنت في خيمتي التي تقع أمام خيمة ابني بعشرات الأمتار، فنبهتني زوجة ابن لي بحدوث القصف أمام خيمة محمد، وتوجد مقابلها خيمة ابني إبراهيم، فخرجت مسرعا تجاه الخيمة في اللحظات الأولى".
بينما يقف على مدخل الخيمة، يستحضر المشهد من الداخل لحظة وصوله إلى المكان قائلا: "وصلت فوجدت ابني قد استشهد على الفور وهو يجلس على الكرسي في أثناء إعداد الطعام في حين استغاثت بي زوجته وقالت: "الحقني يا عمي" وكانت مصابة، وجاء مسعفون وحملوها للمشفى وتعرضت قدمها للبتر، حملت حفيدي "زين" وكان يلتقط أنفاسه الأخيرة فنقلناه لسيارة الإسعاف، وهذا الطفل تعلق بوالده كثيرا، وقد دفن معه، ثم حملت عزيز وكان يتوجع من شدة الإصابات، فقد كان واضحا بتر قدميه من الأسفل".
مع بداية الحرب أصيب محمد في أثناء محاولته إسعاف شقيقته إثر قصف إسرائيلي بحي الشجاعية شرق مدينة غزة، وظل يعاني فقدان النظر بإحدى عينيه وتركيب جهاز في منطقة البطن، وسافر مدة عام ونصف العام للعلاج في مصر، قبل أن يعود قبل ثلاثة أشهر.
خلال سفر محمد تولى والده رعاية أطفاله وتوفير الطعام لهم، وقد كان أطفاله يفتقدون والدهم، ويستذكر لحظة عودته وهو يتأمل المكان الذي وقفت عنده السيارة قبل ثلاثة أشهر، يومها علا صوت الزغاريد وطبول الفرح في المكان نفسه الذي تفرد فيه كراسي العزاء ويسود فيه الصمت وتختفي منه معالم الحياة.
قبل عام ونصف العام فقد أبو أحمد نجله، وأول أمس فقد محمد وحفيدا له، يتدفق الكلام من قلبه كصرخة غضب في وجه الصمت العالمي: "نحن نريد أن نعيش. الدم والموت أصبحا في كل مكان. أين المؤسسات الدولية؟ نريد حماية من هذا التغول الإسرائيلي.
وبينما يرفع أبو أحمد قطعة قماش كانت هي باب الخيمة، يتكشف مشهد وقسوة الجريمة أكثر، بعدما جفت دماء الشهداء واختفت، وخلت منها أصوات الحياة، ورحل عن المكان من كانوا يزينونه بحضورهم واجتماعهم ولم شملهم، يقول: "بقيت الدماء والطعام شاهدا على حياة كانت هنا، قبل أن يحترقوا ويستشهدوا".
في بيت العزاء، يسير إبراهيم عويص وهو شقيق الشهيد محمد بخطوات متثاقلة بطيئة نتيجة إصابة تعرض لها قبل عام ونصف العام أدت لحدوث كسور في قدمه وحدوث قصر بمقدار 3 سنتيمترات، ويسكن في الخيمة المقابلة لخيمة شقيقه على الرصيف الأيمن للطريق، علما أن محمد يسكن على يسار الرصيف.
مصابون بحالة خطرة
تعرضت زوجة إبراهيم للإصابة بشظايا ملأت جسدها من شدة القصف، وبينما كان إبراهيم متوجها نحو مستشفى الشفاء لمتابعة حالته الصحية وأمور التحويلة الطبية تغيرت وجهته نحو قسم الطوارئ وثلاجات الموتى والجرحى بعد اتصال ورده يخبره المتصل بقصف المكان الذين يعيشون فيه، ليجد عائلة شقيقه بين شهيد ومصاب.
في داخل الخيمة، يحدد عويص الزوايا والأماكن التي كان يجلس عليها أفراد العائلة قبل الاستهداف والتي بقيت بقع الدماء على حالها لتحكي عن الجلسة الأخيرة لكل فرد في العائلة قبل سقوط الصاروخين، وبداخل الخيمة يظهر كرسي متحرك خاص بالطفل عزيز الذي أصيب قبل عام ونصف العام في أثناء النزوح جنوب قطاع غزة، وحتى يوم الإصابة الثانية كان مثبت العظام (بلاتين) موجودا بقدمه، ويستخدمها للتنقل لصعوبة مشيه، لينهي الصاروخ آخر آمال الطفل بالمشي على قدميه بدون أدوات مساعدة.
وبينما يمسك عويص الكرسي المتحرك الذي نجا من أثر القصف، يستذكر لحظة إصابة عزيز قبل عام ونصف العام خلال رحلة النزوح جنوب القطاع، قائلا: "وضعوا له مثبت عظام داخليا "بلاتين" وأجروا له عملية جراحية قبل عام، إلا أن القصف الأخير وبتر أسفل قدميه نسفا كل الآمال بإمكانية عودته للمشي".
وأدت الحرب لتعطل الأخوين إبراهيم ومحمد عويص كحال عشرات آلاف الشباب في غزة، بعدما كانا يعملان في البناء ليعيشا حياة صعبة، زادتها إصابتان تعرضا لهما، إذ فقد محمد النظر في عينه وأصيب إبراهيم بكسور معقدة في قدمه.
ظل الشقيقان يعانيان أثر الإصابتين منذ عام ونصف العام، إضافة لمعاناة العيش على رصيف طريق ضيق، ما كان يهدد حياة أطفالهما بالتعرض لحوادث الدهس من السيارات المارة.