☰
✕

قائمة الموقع

عشر إستراتيجيات لمواجهة وعد بلفور

2026-11-02T15:49:00+02:00
د. محمد إبراهيم المدهون
فلسطين أون لاين

في الثاني من نوفمبر نستحضر وعد بلفور بوصفه محطة تأسيسية في المسار الاستعماري الذي استهدف فلسطين وشعبها. غير أن الوفاء للذاكرة يقتضي أن نسأل عما نفعله اليوم لحماية الأرض والإنسان والحقوق، وأن نحول الإدانة إلى برنامج عمل يحدد الأولويات والمسؤوليات، ويقيس الإنجاز بما يتحقق على الأرض.

صدر التصريح البريطاني في 2 نوفمبر 1917 مؤيدًا إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين. ونص على عدم المساس بالحقوق المدنية والدينية للجماعات غير اليهودية، لكنه لم يعترف للشعب الفلسطيني بحقوقه السياسية والوطنية بوصفه شعبًا صاحب أرض. وهذه التفرقة بين نص التصريح ونتائج تطبيق السياسة البريطانية ضرورية لبناء حجة تاريخية دقيقة، بعيدًا عن المبالغات التي تضعف الرواية العادلة.

وبعد قرن، جاء اعتراف إدارة ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل في 6 ديسمبر 2017، ثم افتتاح السفارة الأمريكية فيها في 14 مايو 2018، ثم إعلان خطته السياسية في 28 يناير 2020. وهي محطات مختلفة ينبغي عدم جمعها في واقعة واحدة. وفي قراءتنا السياسية، يجمعها مع وعد بلفور منطق تجاوز الإرادة الفلسطينية ومحاولة تقرير مستقبل الأرض من خارج حقوق أهلها، مع اختلاف السياقات والأدوات بين الانتداب البريطاني والانحياز الأمريكي.

ومن غزة، حيث تصبح حماية الحياة والتعليم والمأوى ضرورة يومية، تكتسب مواجهة آثار الوعد معنى عمليًا مباشرًا. فالقدرة على البقاء في الأرض، واستعادة المجتمع لعافيته، وحماية تماسكه، ينبغي أن تكون في صميم المشروع الوطني. وعلى هذا الأساس يمكن تطوير الإستراتيجيات العشر الآتية.

 أولًا: إسناد القدس وحماية حضور أهلها

تحتاج القدس إلى برنامج إسناد مستمر يرتبط باحتياجات سكانها ومؤسساتها، ويوجه الموارد إلى السكن والتعليم والصحة وحماية المقدسات والهوية الثقافية. ويُقترح إنشاء آلية تنسيق بين المؤسسات المقدسية والجهات الفلسطينية والعربية الداعمة، تمنع ازدواج الجهد وتحدد أولويات التمويل.

ويقاس التقدم باستمرار المؤسسات في أداء خدماتها، وعدد الأسر التي تلقت دعمًا للبقاء في منازلها، والملفات التي جرى توثيقها ومتابعتها. فالاهتمام بالقدس يكتسب أثره حين يصل إلى أهلها في صورة حماية وخدمة ومساندة منتظمة.

 ثانيًا: توحيد البيت الفلسطيني وتجديد شرعيته

توحيد المؤسسات والمرجعية الوطنية يتطلب اتفاقًا على قواعد الشراكة والمساءلة، وتحديد العلاقة بين منظمة التحرير والسلطة، وتوسيع المشاركة في صناعة القرار. وينبغي أن يحضر الشباب والنساء والمستقلون وأبناء الشتات في هذا المسار حضورًا مؤثرًا.

والخطوة العملية المقترحة حوار وطني بجدول أعمال معلن، ومخرجات محددة، ومواعيد متابعة، تلتزم به القوى والمؤسسات المعنية. ويُقاس نجاحه بما يُنفذ من اتفاقات، وبالحد من الإجراءات الانقسامية، وتحسن ثقة الناس بالمؤسسات.

ثالثًا: حماية الإنسان وتعزيز مقومات البقاء

تفرض دروس غزة تقديم الغذاء والماء والصحة والمأوى والتعليم والدعم النفسي إلى صدارة العمل الوطني. ويقتضي التعافي إدارة مهنية شفافة، تستند إلى بيانات الاحتياج، وتتيح للمجتمع مراقبة توزيع الموارد وإبداء الشكاوى دون خوف.

ويُقترح برنامج تشارك فيه البلديات والجامعات والمؤسسات الأهلية والجهات الخدمية، يدعم التعليم وسبل العيش والمشروعات الصغيرة، ويربط الإغاثة بالتعافي. وتُراجع نتائجه وفق انتظام الخدمات، وعدالة وصول المساعدة، وانخفاض فجوات الاحتياج، دون رهن الحقوق السياسية بشروط التمويل والإعمار.

رابعًا: تكامل ساحات الوجود الفلسطيني

تتباين فرص العمل بين غزة والضفة والقدس والداخل والشتات؛ ومن ثم فإن تكاملها يحتاج توزيعًا واعيًا للأدوار يحترم خصوصية كل ساحة، ويبتعد عن فرض نمط واحد على الجميع.

ويمكن بناء شبكة تنسيق مهنية تجمع الخبرات القانونية والإعلامية والأكاديمية والاقتصادية، وتربط الجاليات بالمؤسسات داخل فلسطين. ويكون معيار الإنجاز تنفيذ حملات ومشروعات مشتركة، واستثمار الكفاءات، وتقليل التنافس الذي يهدر الموارد.

خامسًا: مساءلة المسؤولين ومواجهة فرض الوقائع

يستدعي التصدي للاستيطان والضم والتهجير مسارًا متكاملًا للتوثيق والبحث القانوني والمناصرة. وتندرج ضمنه دراسة مسؤولية بريطانيا التاريخية ومطالب الاعتراف والاعتذار وجبر الضرر، مع الفصل بين المطلب السياسي وإمكان تنفيذه قضائيًا.

ويُقترح فريق مستقل من القانونيين والمؤرخين ومؤسسات حقوق الإنسان، يتولى حفظ الأدلة، وتحديد الجهات والاختصاصات والمسارات المتاحة، دون افتراض قبول أي دعوى مسبقًا. وتقاس فاعليته بجودة الملفات، وحماية الشهود، والمتابعة القانونية، واستجابة المؤسسات المستهدفة.

 سادسًا: توحيد السياسة الوطنية وتنويع أدوات التأثير

تحتاج السياسة الفلسطينية إلى مراجعة حصيلة مسار أوسلو، وصوغ برنامج يجمع العمل السياسي والقانوني والشعبي والإعلامي والاقتصادي، وفق أهداف واضحة وضوابط تحمي المدنيين. ويجب أن تخضع الخيارات للمراجعة على أساس نتائجها وكلفتها وأثرها في المجتمع.

ويُقترح أن تتبنى المرجعية الوطنية خطة مشتركة، وأن تتولى لجان متخصصة متابعة حملات المقاطعة وسحب الاستثمارات والمناصرة، وفق الأطر القانونية في ساحات العمل. والمؤشر هو تغير السياسات والقرارات المؤسسية واتساع الإسناد المنظم.

 سابعًا: رفع حصار غزة وحماية وحدة الأرض

تقتضي هذه الإستراتيجية تحركًا متواصلًا لضمان الحركة والخدمات والوصول الإنساني، ومنع فصل غزة عن بقية الأرض الفلسطينية سياسيًا ومؤسسيًا. كما تتطلب إنهاء الإجراءات الداخلية التي تزيد الأعباء على السكان.

ويُقترح رصد دوري يميز بين الإعلانات وما يتحقق فعليًا من وصول للسلع والاحتياجات والخدمات، تتولاه الجهات الخدمية والحقوقية ذات الصلة. وتُبنى عليه مطالب محددة للوسطاء والجهات الدولية، ويُقاس التقدم بأثره الملموس في حياة الناس.

 ثامنًا: إسناد فلسطينيي الداخل وحماية الهوية

يمثل بقاء الفلسطينيين في مدنهم وقراهم وحضورهم الثقافي والاجتماعي عنصرًا أساسيًا في استمرارية الشعب وروايته. ويقتضي إسنادهم احترام خصوصية ظروفهم وخياراتهم، وتوسيع التواصل المعرفي والثقافي معهم.

ويمكن للمؤسسات الأكاديمية والثقافية والأهلية تطوير مشروعات لحفظ تاريخ القرى والبلدات، وتبادل الخبرات، ودعم المبادرات الشبابية. ويُقاس النجاح باستدامة هذه المؤسسات والمشروعات ومشاركة الأجيال الجديدة فيها.

 تاسعًا: تجسيد الدولة وصون العودة وحقوق اللاجئين

ينبغي أن يرتبط العمل لإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967 بحماية حق العودة وسائر الحقوق، وألا تتحول الترتيبات المرحلية إلى تفويض بالتنازل عنها. ويتطلب ذلك وضوحًا في الموقف الوطني ورفض التهجير والتوطين القسري.

وفي هذا الإطار تُحمى الأونروا وخدماتها باعتبارها مؤسسة أُنشئت بقرار الجمعية العامة 302 لعام 1949 لإغاثة وتشغيل اللاجئين، دون اختزال قضية اللاجئين في المساعدة أو تعليق حقوقهم على استمرار مؤسسة بعينها. ويُقترح برنامج لتوثيق الملكيات والقرى وشهادات اللاجئين، يحفظ الأصول والنسخ الرقمية بأمان ويتيح وصول الأجيال إليها.

عاشرًا: بناء حاضنة دولية وحماية الرواية

يمكن تطوير فكرة «حلف العودة» إلى شبكة مدنية للتضامن، تربط النقابات والجامعات والبرلمانيين وحركات العدالة والمؤسسات الثقافية، على أساس أهداف عملية مشتركة. ويقتضي ذلك خطابًا يخاطب المجتمعات بلغاتها، ويميز بين نقد سياسات الدول ومساءلة المسؤولين، وبين التعميم على الشعوب أو الجماعات الدينية.

ويُقترح فريق تحرير وتوثيق متعدد اللغات، ينتج مواد موثقة ويصحح الأخطاء سريعًا، إلى جانب فرق للعلاقات والمناصرة. وتكون مؤشرات النجاح شراكات مستمرة، وقرارات داعمة للحقوق، وحملات تحقق أهدافها، مع حماية خصوصية أصحاب الشهادات.

                                        من الإستراتيجيات إلى التنفيذ

لتجنب بقاء هذه المحاور عناوين عامة، يُقترح مسار تنسيق وطني يحدد لكل محور جهة قائدة وشركاء وموارد وجدولًا زمنيًا. ويمكن تخصيص أول ثلاثة أشهر لحصر المبادرات القائمة وتحديد الفجوات وإعداد خطط العمل، تليها مراجعة فصلية معلنة للإنجاز والعقبات، مع تجنب إنشاء هياكل جديدة تكرر أدوار المؤسسات الموجودة.

إن مواجهة وعد بلفور بعد 109 أعوام تتطلب قدرة وطنية منظمة، تحمي الإنسان والأرض، وتصون العودة، وتلاحق المسؤولية، وتوسع دوائر الإسناد. وحين تتصل الذاكرة بالتنظيم، والحق بالمعرفة، والتضامن بالفعل، تصبح الذكرى موعدًا للمراجعة وتجديد العمل من أجل الحرية والعودة والاستقلال.

اخبار ذات صلة