في غزة، لم يعد الموت يهدد الناس بالقصف وحده، بل بات يلاحقهم حتى في رحلة البحث عن تشخيصٍ لمرض أو إصابة. تخيّل أن تتوقف حياة إنسان، أو يتأخر إنقاذه، لأنه بحاجة إلى صورة رنين مغناطيسي لا يستطيع الحصول عليها!
لقد دمّر الاحتلال الإسرائيلي المنظومة الصحية في قطاع غزة، وطال الدمار أجهزة التشخيص الطبي، ومنها أجهزة الرنين المغناطيسي، حتى أصبح الحصول على هذا الفحص بالغ الصعوبة، وبات المرضى والجرحى يدفعون ثمن غياب أبسط مقومات التشخيص الطبي المتقدم.
أيّ وجعٍ هذا حين ينجو الإنسان من القصف، ثم يجد حياته مهددة لأنه لا يستطيع إجراء صورة تكشف موضع إصابته أو طبيعة مرضه؟!
إن توفير جهاز رنين مغناطيسي في قطاع غزة ليس ترفًا طبيًا، بل ضرورة إنسانية عاجلة؛ فهو يساعد الأطباء على تشخيص إصابات الدماغ والحبل الشوكي والأعصاب، والكشف عن الأورام وأمراض المفاصل والأنسجة، وتحديد طبيعة الإصابات التي قد لا تظهر بوضوح في الفحوص الأخرى، مما يسهم في اتخاذ قرارات علاجية قد تنقذ حياة المرضى أو تحميهم من إعاقات دائمة.
في غزة، هناك جريح ينتظر تشخيص إصابة في عموده الفقري، ومريض يخشى أن يكون ما يعانيه ورمًا خطيرًا، وطفل يحتاج إلى فحص دقيق لدماغه، وأمّ تنتظر أن تعرف سبب آلامها. هؤلاء لا يطلبون المستحيل، بل يطلبون حقًا إنسانيًا وطبيًا لا يجوز أن يكون غيابه سببًا في ضياع حياتهم.
وما أقسى أن يتحول التشخيص الطبي من حقٍّ للمريض إلى أمنية، وأن يصبح انتظار صورة رنين مغناطيسي أشدّ قسوة من المرض نفسه!
إن غياب هذه الأجهزة لا يعني تأخير الفحوص فحسب، بل قد يعني تأخير العمليات الجراحية، وتعطيل الخطط العلاجية، وتفاقم الإصابات، وضياع فرص التدخل المبكر، في وقتٍ تعاني فيه مستشفيات غزة من ضغط هائل ونقص حاد في الإمكانات.
ولذلك فإن إدخال جهاز رنين مغناطيسي إلى قطاع غزة وتشغيله، بما يحتاجه من تجهيزات وكوادر فنية وطبية وصيانة مستمرة، يمثل خطوة بالغة الأهمية نحو إنقاذ الأرواح وتخفيف معاناة المرضى، وتقليل الحاجة إلى التحويلات الطبية والسفر للعلاج خارج القطاع.
إننا نوجّه نداءً عاجلًا إلى منظمة الصحة العالمية، والمؤسسات الطبية والإنسانية، والدول القادرة على المساعدة: أعيدوا إلى غزة حقها في التشخيص والعلاج، وساهموا في توفير أجهزة الرنين المغناطيسي وتشغيلها.
فليس من العدل أن ينجو الإنسان من الحرب، ثم يخسر حياته لأن جهازًا طبيًا لم يعد متاحًا، وليس من الإنسانية أن يبقى مصير المرضى معلقًا على انتظار فحص قد يحدد فرص نجاتهم.
في غزة، قد لا ينتظر المريض دواءً أو عملية جراحية، بل ينتظر صورةً واحدة تكشف للطبيب كيف ينقذ حياته.
فلا تتركوا حياة الناس معلّقة بصورة رنين مغناطيسي، ولا تجعلوا من غياب جهازٍ طبي حكمًا بالموت على من نجا من الحرب!

