لم تقتصر تداعيات إغلاق معبر رفح البري خلال الفترة السابقة، على الجوانب الإنسانية والمعيشية للفلسطينيين في قطاع غزة، بل امتدت لتطال القطاع الرياضي، ووضعت أحلام عدد من اللاعبين والمدربين والحكام والإعلاميين أمام عقبات كبيرة، بعدما حالت القيود المفروضة على حركة السفر دون التحاقهم بفرص احترافية وتطويرية خارج القطاع.
ومع إغلاق المعبر وسيطرة قوات الاحتلال الإسرائيلي عليه مطلع مايو 2025، وجد عدد من الرياضيين أنفسهم أمام واقع صعب، بعدما كانوا يستعدون لمغادرة قطاع غزة نحو جمهورية مصر العربية، ومنها إلى وجهات أخرى، لتحقيق طموحاتهم الرياضية والمهنية، في ظل توقف النشاط الرياضي المحلي، وتعرض المنشآت والملاعب لدمار واسع جراء حرب الإبادة المستمرة على قطاع غزة.
وكان عدد من لاعبي كرة القدم ينتظرون موعد سفرهم إلى مصر، تمهيداً للانضمام إلى أندية مصرية، أو استكمال إجراءات انتقالهم إلى أندية عربية قبل ذلك التاريخ، بعدما حصلوا على فرص للعب خارج قطاع غزة، إلا أن إغلاق المعبر وتعذر السفر وضعا تلك الاتفاقات في مهب الريح، ولجأت تلك الأندية للتعاقد مع لاعبين غيرهم.
وطمست طموحات هؤلاء اللاعبين، في ظل صعوبة خروجهم من القطاع المحاصر، ولحاقهم بالأندية التي اتفقوا معها، مما أدى إلى ضياع فرص كانت تمثل محطة مهمة في مسيرتهم الكروية، وفرصة لتعويض توقف النشاط الرياضي في قطاع غزة، ومواصلة ممارسة اللعبة على المستوى التنافسي.
أبو شهلا يفقد الشارة الدولية
ولم تتوقف تداعيات إغلاق المعبر عند اللاعبين، بل امتدت إلى الحكام الفلسطينيين، حيث لم يتمكن الحكم محمد أبو شهلا الحامل للشارة الدولية التي حصل عليها من الاتحاد الدولي لكرة القدم، من المشاركة في إدارة مباريات سواء على الصعيد العربي أو الآسيوي أو الدولي، كما كان عليه الحال قبل أكتوبر 2023، وحرم من التواجد رفقة زملائه من كافة أنحاء العالم في تلك المحافل.
وكان أبو شهلا ينتظر مغادرة قطاع غزة للمشاركة في العديد من الاستحاقاقات القارية، وتمثيل التحكيم الفلسطيني على المستوى الآسيوي، لكن إغلاق معبر رفح حال دون وصوله إلى البطولات في المواعيد المحددة، ليخسر فرصة مهمة في مسيرته التحكيمية، انعكست على حضوره في الساحة الدولية.
وتشكل هذه الحالة نموذجاً للصعوبات التي يواجهها الحكام الرياضيون في قطاع غزة، الذين باتت فرص مشاركتهم في البطولات الخارجية مرتبطة بإمكانية السفر، في وقت تتطلب فيه المشاركات الدولية الالتزام بمواعيد محددة، يصعب تعويضها عند فواتها.
المدربون والإعلاميون خارج حسابات التطوير
وامتدت تداعيات إغلاق المعبر أيضاً إلى المدربين والإعلاميين الرياضيين، إذ كان من المقرر أن يغادر عدد منهم قطاع غزة للمشاركة في دورات تدريبية وورش عمل خارجية، بهدف تطوير قدراتهم الفنية والمهنية، والاستفادة من الخبرات العربية والدولية في مجالات التدريب والإعلام الرياضي.
إلا أن استمرار الحرب والقيود المفروضة على حركة السفر حالا دون تنفيذ تلك البرامج، وحرما المشاركين من فرص كان من شأنها تعزيز خبراتهم وفتح آفاق جديدة أمامهم في مسيرتهم المهنية.
حرمان من المشاركات الخارجية
وحُرم لاعبو قطاع غزة من التواجد في العديد من البطولات القارية والأولمبية خلال السنوات الثلاث الماضية، بسبب الحصار المفروض على القطاع، وإغلاق المعابر، وما ترتب على ذلك من صعوبات حالت دون سفرهم ومشاركتهم، إلى جانب عدم جاهزية عدد منهم فنياً وبدنياً، في ظل توقف النشاط الرياضي لفترات طويلة.
ريان وأبو رحال خارج منتخب السلة
ولم يتمكن اللاعبان ريان ريان، نجم فريق خدمات المغازي، وإبراهيم أبو رحال، لاعب فريق خدمات البريج، من الالتحاق بصفوف المنتخب الوطني لكرة السلة، الذي شارك في التصفيات التمهيدية لكأس آسيا 2029، بعدما حالت قيود السفر وإغلاق المعابر دون مغادرتهما قطاع غزة.
ورغم المحاولات والجهود التي بُذلت لتأمين سفر اللاعبين وتمكينهما من اللحاق بزملائهما، فإنها لم تكلل بالنجاح، ليُحرم المنتخـب من خدمات لاعبين كانا مرشحين لتمثيله، فيما فقد اللاعبان فرصة المشاركة وإثبات قدراتهما على المستوى الخارجي.
مواهب ضائعة وفرص مؤجلة
ولا تقتصر المعاناة على لاعبي كرة السلة، بل تمتد إلى مختلف الألعاب الرياضية، حيث تزخر أندية غزة بالعديد من المواهب الواعدة التي لم تجد طريقها إلى الاحتراف الخارجي أو الانضمام إلى أندية عربية ودولية، بسبب تعذر مغادرتها القطاع.
وباتت هذه المواهب أمام واقع صعب، في ظل غياب فرص الاحتكاك والتطور والمشاركة في البطولات الخارجية، ما يهدد مستقبلها الرياضي ويبدد أحلام العديد من اللاعبين الذين ينتظرون فرصة لإظهار إمكاناتهم.
وتبقى معاناة الرياضيين في غزة أكبر من مجرد الغياب عن بطولة أو خسارة فرصة احتراف، فهي تحرم جيلاً كاملاً من حقه في المنافسة والتطور ورفع اسم فلسطين في المحافل الرياضية، وسط آمال بأن تتوفر لهم فرص السفر والمشاركة قبل أن تتبدد سنوات أخرى من مسيرتهم الرياضية.
ويعيش الرياضيون في قطاع غزة ظروفاً استثنائية، في ظل توقف النشاط الكروي الرسمي لفترات طويلة، وتضرر الأندية والمنشآت الرياضية، فضلاً عن فقدان الأسرة الرياضية الفلسطينية عدداً كبيراً من أبنائها، بين شهيد وجريح وأسير ومفقود، ما جعل الحاجة إلى فرص الاحتراف والتأهيل والتطوير الخارجي أكثر إلحاحاً.
وتكشف هذه الحالات جانباً آخر من معاناة الرياضة الفلسطينية في غزة، إذ لا تقتصر الخسائر على تدمير الملاعب وتوقف البطولات، وإنما تمتد إلى تعطيل مسيرة اللاعبين والحكام والمدربين والإعلاميين، وحرمانهم من فرص المشاركة والتطور والاحتكاك الخارجي.
وبات فتح المعابر وتسهيل حركة الرياضيين ضرورة لاستعادة جزء من النشاط الرياضي الفلسطيني، وتمكين المواهب من مواصلة مسيرتها، ومنح الكوادر الرياضية فرصة التعلم والتطوير وتمثيل فلسطين في المحافل العربية والقارية والدولية.


