فلسطين أون لاين

أسامة الرفاتي.. قدمٌ معلّقة بين البتر والنجاة

...
أسامة الرفاتي.. قدمٌ معلّقة بين البتر والنجاة
غزة/ مريم الشوبكي:

حين فتح أسامة الرفاتي عينيه في المستشفى، لم يكن يعرف كيف وصل إليه. كل ما بقي في ذاكرته من اللحظات الأولى بعد القصف الإسرائيلي أن جسده كان وسط الركام، وأن ابن عمه كان شهيدًا تحت قدمه، في حين تناثرت حوله الإصابات والشظايا.

كان الفتى، البالغ 15 عامًا، قد عاد إلى منزل عائلته في منطقة المشاهرة بحي التفاح، شرق مدينة غزة، بعدما أجبرهم الاحتلال على مغادرة المكان. لكن الحزام الناري الإسرائيلي الذي استهدف الحارة حوّل عودتهم إلى مأساة عائلية، أسفرت، وفق روايته، عن استشهاد تسعة من أفراد عائلته وإصابة 13 آخرين.

يروي أسامة لصحيفة "فلسطين": "في البداية بدأت قوات الاحتلال تهدد الحارة، فخرجنا منها، ثم قيل لنا إن منزلنا مستهدف. عدنا لنخرج ما تبقى من أغراضنا، لكنهم ضربوا حزامًا ناريًا في الحارة. استشهد تسعة من عائلتنا، بينهم عمي وابن عمي وأولاد من العائلة، وأصيب 13 آخرون".

وحين هدأ القصف، وجد أسامة نفسه بين جثامين أقاربه والمصابين. لم يكن الخوف أول ما شعر به؛ كان يريد فقط أن يخرج من المكان. ثم نظر إلى قدمه، فاكتشف حجم الإصابة.

يصف تلك اللحظات: "لم أشعر بالخوف بقدر ما كنت أريد أن يخرجونا. كان ابن عمي الشهيد تحت قدمي، وكانت هناك إصابات وشظايا في كل مكان. نظرت إلى رجلي، فوجدت الكعب قد سقط، والعظم لم يعد موجودًا، والعصب الخلفي تضرر نصفه".

ومنذ ذلك اليوم، تحولت قدم أسامة إلى معركة أخرى. تهشم العظم وتضرر العصب، ثم أصيب العظم بالتهاب، في حين  يحتاج الجزء المتضرر إلى تدخلات ترميمية وزراعة عظم، بحسب ما أُبلغ به.

يوضح أسامة أن الأطباء لم يجدوا أمامهم داخل غزة سوى خيار يخشاه: "كانوا يخبرونني بأنهم وضعوا حالتي أمام خيار البتر، لأنه لا يوجد لها علاج هنا. قالوا لي إن عليّ الخروج إلى الخارج لتلقي العلاج، لأن لدي التهابًا في العظم وأحتاج إلى زراعة عظم. في كل مرة أدخل فيها لتنظيف الجرح، يقولون لي: البتر، البتر، البتر. لا يوجد دواء لي ولا مضاد حيوي، وأنا فقط أغيّر الغيار وأنتظر فرج الله".

طبيًا، يمكن أن تتسبب الإصابات المفتوحة والشديدة في التهاب العظم، في حين قد تؤدي إصابات الأعصاب والعظام والأنسجة المصاحبة للرضوض القوية إلى فقدان وظيفة الطرف. ويعتمد الحفاظ على الطرف على مدى تلف الأنسجة والعظام والأوعية والأعصاب وإمكانية السيطرة على العدوى وإجراء الترميمات اللازمة. وفي الحالات التي يتعذر فيها إنقاذ الطرف أو السيطرة على التلف والعدوى، قد يصبح البتر خيارًا طبيًا.

"لا أعرف كيف سأمشي؟"

لكن بالنسبة إلى أسامة، لا تبدو قدمه مجرد جزء مصاب من جسده؛ إنها شرط لحياة يريد استعادتها بعد الحرب. يخشى أن يفقد القدرة على الحركة، وأن يصبح اللعب الذي اعتاده مع أقرانه ذكرى بعيدة.

ويعبّر عن خوفه: "أنا خائف من أن تُبتر رجلي؛ لأنني لن أستطيع الصعود أو النزول، ولن أتمكن من ممارسة حياتي مثل بقية الأطفال، ولن أستطيع حتى لعب كرة القدم. لا أعرف كيف سأمشي، لذلك أريد رجلي، ولا أريد أن تُبتر".

ويتذكر أسامة مصابين آخرين كانوا معه بعد الاستهداف، بينهم من فقد يده، وآخر يعاني نقصًا في العظام ويحتاج إلى زراعتها، في وقت لا تتوفر فيه الإمكانات اللازمة لمثل هذه العمليات داخل القطاع، بعد أكثر من ثلاث سنوات من حرب الإبادة الجماعية التي دمرت معظم مقدرات المنظومة الصحية في غزة.

ويضيف: "هناك شخص بُترت يده وفقدها بسبب الإصابة، وهناك آخر لديه نقص في العظام ويحتاج إلى زراعة عظام، لكنه لا يجد العلاج اللازم. كما أن الأعصاب والأوتار لديه متضررة ولا يستطيع تحريكها".

أما الطبيب، فيصف حالة أسامة بأنها نموذج لمصابين يواجهون خطر فقدان أطرافهم بسبب نقص الإمكانات الطبية اللازمة لعلاج إصاباتهم المعقدة، مؤكدًا أن علاجه يحتاج إلى إخلاء طبي إلى الخارج قبل الوصول إلى مرحلة البتر.

ووفق بيانات رسمية في غزة، فإن أكثر من 20 ألف مريض وجريح بحاجة عاجلة إلى السفر للعلاج، لكن الحصار الإسرائيلي يقف عائقًا، ويهدد حياتهم، فضلا عن تسببه بوفاة العديد منهم.

وعلى مدار أكثر من ثلاث سنوات من حرب الإبادة، أصيب أكثر من 175 ألف مواطن في غزة، واستشهد ما يزيد على 74 ألفًا آخرين.

وفي 11 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، أورد بيان للمكتب الإعلامي الحكومي أن الأطفال يشكلون ما نسبته 18% من إجمالي حالات بتر الأطراف التي تجاوزت 5400 حالة، ما يعني وجود ما يقارب 972 طفلا مبتور الأطراف في غزة.

وبينما أوراق أسامة الطبية جاهزة، يبقى خروجه للعلاج متعذرًا، وفق إفادته. لذلك يواصل الغيار على جرحه، ويراقب قدمًا يخشى أن يخسرها إذا طال انتظار العلاج.

يتمسك أسامة بالأمل رغم كل ما حدث. يستعيد المشهد الذي فقد فيه أفرادًا من عائلته، ثم ينظر إلى قدمه التي لم تنجُ من القصف إلا لتدخل معركة جديدة.

ويختصر أمنية حياته الحالية: "إذا لم يصل العلاج، ستُبتر رجلي. قالوا لي إنه لا يوجد علاج لها هنا سوى البتر، لأن التهاب العظم يزداد. أتمنى ألا يزداد، وأنتظر فرج الله".

المصدر / فلسطين أون لاين