فلسطين أون لاين

هاني المبحوح.. فقد ابنه "محمد" مرتين وأحلام أبنائه معلّقة بين الإصابة والعلاج

...
القصف الإسرائيلي حول عائلة هاني المبحوح بين شهيد وجريح
غزة/ هدى الدلو:

لم يكن هاني المبحوح، الخمسيني من سكان عزبة عبد ربه شمال قطاع غزة، يتخيل أن تتحول مائدة الطعام التي اجتمعت حولها أسرته إلى مشهد للفقد والإصابات، وأن يخطف القصف الإسرائيلي ابنه محمد، بينما يترك شقيقيه يصارعان آلامًا تهدد مستقبلهما، ويعيد إلى قلبه وجعًا عاشه قبل سنوات.

في الرابع من يناير/كانون الثاني 2025، كانت العائلة النازحة قسرا إلى مدينة دير البلح وسط قطاع غزة تجتمع حول مائدة الطعام مع أذان المغرب، حين وقع انفجار في مكان مجاور، فاندفعت الشظايا إلى المنزل الذي احتمت به الأسرة، واخترقت أجساد أفرادها، وحوّلت لحظات الاجتماع إلى مأساة لا تزال آثارها حاضرة في حياتهم.

يستعيد المبحوح تلك اللحظات قائلًا لصحيفة "فلسطين": "كنا نجلس حول مائدة الطعام، ولم نتوقع أن ينقلب كل شيء بهذه السرعة، وقع الانفجار فجأة، وأصبحت الشظايا في كل مكان، وانشغلنا بالبحث عن أبنائنا والاطمئنان عليهم، لكننا وجدنا أنفسنا أمام فاجعة أكبر من قدرتنا على الاحتمال".

فاجعة تتكرر بعد سنوات

أصابت شظية رأس محمد، البالغ من العمر 15 عامًا، فاستشهد على الفور، تاركًا والده أمام خسارة أعادت إليه جرحًا قديمًا؛ إذ فقد ابنه محمد أيضًا خلال حرب عام 2008، قبل أن يُرزق بطفل آخر سمّاه الاسم نفسه، لتتكرر الفاجعة وينتزع منه ابنه مرة أخرى.

يقول الأب بألم: "استشهد ابني محمد في حرب 2008، ثم رزقني الله بطفل آخر، فسميته محمد، ولم أتخيل أن أفقده بالطريقة نفسها، كنت أتمنى أن أراه يكبر أمام عيني، لكن الحرب أخذته مني، وأعادتني إلى وجع الفقد الذي عشته قبل سنوات".

ولم يكن استشهاد محمد نهاية المأساة؛ فقد أصيب ابنه أحمد، البالغ من العمر 24 عامًا، بشظية في الرأس تسببت في كسر بالجمجمة، ولا يزال رأسه مفتوحًا، فيما استقرت الشظية بالقرب من عينه اليسرى، مسببة ضعفًا فيها، ويلازمه صداع مستمر، وأصابت شظية أخرى الشريان الرئيسي في قدمه اليسرى، ما أعاق مشيه بصورة طبيعية.

وكان أحمد على بُعد ساعات دراسية قليلة من التخرج في تخصص التمريض بإحدى جامعات غزة، لكن إصاباته والصداع الذي لا يفارقه حرماه استكمال دراسته، وحوّلا حلمه القريب إلى أمنية معلقة على تحسن حالته الصحية.

ويضيف والده: "كان وضع أحمد خطيرًا وقت الإصابة، وظننا أننا سنفقده. نجا، لكنه لا يزال يعاني من إصابات تعطل حياته ودراسته، ولم يعد قادرًا على ممارسة حياته بصورة طبيعية".

ومع استمرار معاناته، بات السفر للعلاج في الخارج ضرورة ملحّة، في ظل حاجته إلى رعاية طبية متخصصة، ورغم حصوله على نموذج رقم (1)، إلا أنه لم يتمكن من السفر، وفق إفادة والده، ليبقى عالقًا بين آلامه وانتظار فرصة للعلاج.

ويتابع الأب: "ابني بحاجة ماسة إلى السفر، فالصداع لا يفارقه ينام بسببه طيلة الوقت، وإصابته في الرأس والشظية القريبة من عينه تؤثران في حياته. تقدمنا بطلب للسفر رغم حصوله على نموذج رقم واحد، لكن الطلب رُفض، ولا نعرف ماذا نفعل".

ولم تسلم ابنته البالغة من العمر 17 عامًا من شظايا الانفجار، إذ فقدت إحدى عينيها، لتبدأ رحلة علاج شاقة قادتها من غزة إلى مصر، حيث أجرت ثلاث عمليات جراحية على نفقة والدها، لكنها لم تحقق النتيجة المرجوة.

ثم انتقلت إلى ليبيا بحثًا عن فرصة أخرى، غير أن الأطباء أكدوا حاجتها إلى العلاج في إحدى الدول الأوروبية لإجراء عملية زراعة القزحية. وهكذا وجدت نفسها تواجه ألم الإصابة ومرارة الغربة، فيما يواصل والدها البحث عن سبيل لتأمين علاجها، رغم الأعباء المالية التي تثقل كاهله

ولم ينجُ المبحوح نفسه من الشظايا، فقد أصيب في ظهره، لتضاف إصابته الجديدة إلى معاناة قديمة خلّفتها حرب عام 2008، حين تعرض لإصابة استدعت استئصال إحدى رئتيه.

وبين فقد ابنه، وإصابات أحمد التي عطلت دراسته، وابنته التي تتنقل بين البلدان بحثًا عن العلاج، يجد الأب نفسه في مواجهة أعباء تفوق قدرته، بينما يحاول التماسك من أجل أبنائه رغم جراحه.

ويختم حديثه: "كل ما أتمناه أن أرى أبنائي يتعافون ويعيشون بأمان. فقدت محمد، وأرى أحمد يعاني ولا يستطيع إكمال دراسته، وابنتي تبحث عن علاج بعيدًا عنا، أشعر بالعجز حين لا أستطيع توفير ما يحتاجون إليه، لكنني لا أزال أتمسك بالأمل في أن يحصلوا على فرصة للحياة من جديد".

المصدر / فلسطين أون لاين