كان أحمد ياسين، البالغ من العمر 17 عامًا، فتى كثير الحركة، لا يحب الجلوس طويلًا، ويجد في كرة القدم متعته ومساحته الخاصة بعيدًا عن قسوة حرب الإبادة الجماعية.
ومع تشريد الاحتلال عائلته قسرًا من منزلها في حي الزيتون جنوب شرق مدينة غزة، وجد نفسه يتحمل مسؤوليات أكبر من سنه، فكان ينقل المياه، ويحضر الطعام من التكية، ويساعد أسرته في تدبير احتياجاتها اليومية.
لكن تلك الحياة توقفت فجأة عندما أصيب أحمد بطلق ناري من طائرة إسرائيلية مسيرة من طراز "كواد كابتر" في أثناء نزوح العائلة شرق دير البلح، لتترك الإصابة أثرًا دائمًا في جسده وحياته.
يقول والده سامي ياسين لصحيفة "فلسطين": "دخلت الرصاصة من الجهة اليمنى وخرجت من اليسرى، وأخذت كل ما في طريقها، فأحدثت أضرارًا وعطوبًا في القفص الصدري وفقرات الظهر، وخرجت من يده اليسرى، لك أن تتخيل حجم الإصابة".
أصيب أحمد في العمود الفقري، وفقد الإحساس والحركة في الجزء السفلي من جسده، وأصبح يعاني شللا نصفيا أفقده القدرة على التحكم في البول والبراز، ليحتاج منذ ذلك الوقت إلى مساعدة مستمرة في تفاصيل حياته اليومية.
فأصبح من فتى يتحمل المسؤولية إلى طفل يحتاج للرعاية، وكان وقع التحول قاسيًا على أحمد؛ فقبل الإصابة كان يتحرك بين أفراد عائلته، يساعدهم في جلب الماء والطعام، ويشاركهم أعباء الحياة في ظروف الحرب، ويخرج للعب كرة القدم كلما سنحت له الفرصة.
أما الآن، فقد أصبح معتمدًا على والده في الحركة والعناية الشخصية. ويضيف الأب: "نظرًا لشخصية أحمد وحبه للحركة واللعب وتحمله المسئولية كان من الصعب علينا أن نراه فجأة عاجزًا عن الحركة".
ومع فقدان أحمد القدرة على استخدام الجزء السفلي من جسده، تولى والده مهمة رعايته ومساعدته في احتياجاته اليومية، وحاول أن يكون السند الذي يحتاج إليه ابنه في هذه المرحلة الصعبة.
ولكن الأب نفسه لم يسلم من تبعات الحرب، فقد تعرض لاحقًا لإصابة بالغة في يده اليسرى في استهداف إسرائيلي وقع بالقرب من مكان نزوحهم، استدعت بترها من مستوى الكتف، ليجد نفسه أمام واقع جديد؛ فهو يحتاج إلى العلاج والتأهيل، وفي الوقت نفسه عليه أن يتعامل مع احتياجات ابنه الذي يعتمد عليه.
ويشير إلى أنه أصيب بشظايا في صدره قريبة من القلب وأخرى في رجله. يصمت ثم يتابع: "كنت سندا لأحمد في وقت شدته حاليًا بدي مين يسندني، فلم أعد أستطيع حمله أو تبديل ملابسه أو أي شيء من احتياجاته".
وهكذا أصبحت رعاية أحمد أكثر صعوبة، بينما فقد والده القدرة على القيام بجزء كبير من المهام التي كان يؤديها له.

عائلة تنتظر العلاج
وتتكون عائلة ياسين من 10 أفراد، وقد نزحت خلال الحرب قرابة 10 مرات بين دير البلح والمغازي والنصيرات ومناطق أخرى، في ظروف معيشية قاسية لا توفر لها الحد الأدنى من الاستقرار.
وفي خضم هذه الظروف، تتركز آمال الأسرة اليوم على سفر مصابيها لتلقي العلاج، فأحمد يحتاج إلى متابعة متخصصة وتأهيل يساعده على التعامل مع آثار إصابته، فيما يحتاج والده إلى الرعاية الطبية والتأهيل بعد بتر ذراعه.
ولا تملك الأسرة سوى الانتظار والمناشدة، في حين تتزايد أعباء الرعاية ويصعب على الأب المصاب أن يقوم وحده بكل ما يحتاج إليه ابنه.
ويكمل والده: "كلانا بحاجة إلى العلاج، فأحمد يحتاج إلى رعاية مستمرة، وأنا بعد إصابتي أصبحت غير قادر على القيام بكل ما كنت أفعله له، نريد فقط أن تتاح لنا فرصة للسفر والعلاج".
ويضيف أن أصعب ما يواجههما هو استمرار الانتظار في وجود الأعراض التي يعانيها أحمد، والقلق من أن يطول الوقت دون الحصول على الرعاية المتخصصة.
ووفق بيانات رسمية في غزة، فإن أكثر من 20 ألف مريض وجريح بحاجة عاجلة إلى السفر للعلاج، لكن الحصار الإسرائيلي يقف عائقًا، ويهدد حياتهم، فضلا عن تسببه بوفاة العديد منهم. وعلى مدار أكثر من ثلاث سنوات من حرب الإبادة، أصيب أكثر من 175 ألف مواطن في غزة، واستشهد ما يزيد على 74 ألفًا آخرين.
وبينما كانت كرة القدم بالنسبة إلى أحمد حلمًا بسيطًا يملأ به يومه، أصبح حلمه اليوم أكثر تواضعًا: أن يحصل على العلاج والتأهيل، وأن يستعيد جزءًا من قدرته على الحركة والاعتماد على نفسه، أما والده، فلا يطلب أكثر من فرصة للعلاج تساعده على استعادة قدرته على رعاية ابنه.


