أعاد الاختراق الإلكتروني الذي استهدف منصة "بينانس"، إحدى كبرى منصات تداول العملات المشفرة في العالم، تسليط الضوء على التكلفة الاقتصادية لحماية الأصول الرقمية، بعدما أعلنت الشركة سرقة أصول تقدر قيمتها بنحو 6.3 مليارات دولار، رغم إنفاقها مئات الملايين من الدولارات سنويا على الامتثال ومكافحة الجرائم المالية وحماية المستخدمين.
ووفقا لبيانين أصدرتهما "بينانس" في 30 أكتوبر/تشرين الأول 2026، كشفت التحقيقات الأولية عن احتمال استغلال حاسوب تابع لأحد مهندسي الشركة للوصول إلى أنظمة داخلية وتنفيذ عمليات سحب غير مصرح بها، قبل أن تعلن المنصة اكتشاف نقاط اختراق إضافية.
وأكدت الشركة سرقة أصول مشفرة بقيمة 6.3 مليارات دولار، وتجميد نحو 3 مليارات دولار منها، معلنة تخصيص أكثر من 6.34 مليارات دولار من مواردها المالية لتغطية الخسائر وحماية أموال المستخدمين. غير أن تجميد الأصول لا يعني بالضرورة استعادتها بالكامل أو اكتمال إجراءات تعويض المتضررين.
وتكشف الحادثة عن فجوة لافتة بين تكاليف الوقاية وحجم الخسائر المحتملة؛ إذ تقول "بينانس" إنها تنفق نحو 300 مليون دولار سنويا على الامتثال ومكافحة الجرائم المالية وحماية المستخدمين، بينما تجاوزت قيمة الأصول المسروقة في الاختراق الواحد هذا الإنفاق بنحو 21 ضعفا.
لكن هذه المقارنة لا تعني أن كامل الإنفاق السنوي مخصص للأمن السيبراني، أو أن زيادة الميزانية كانت ستمنع الهجوم، إذ تشمل النفقات أيضا متطلبات قانونية وتنظيمية وتشغيلية.
ولا تتوقف التداعيات الاقتصادية للاختراقات عند قيمة الأصول المسروقة، بل تمتد إلى التعويضات والنفقات القانونية والتشغيلية، فضلا عن احتمال تراجع ثقة العملاء وسحب أموالهم، بما قد يؤثر في النشاط التجاري للمنصات وإيراداتها.
فكم تنفق منصات العملات المشفرة فعليا على حماية أموال عملائها؟ وكيف تقارن هذه النفقات بالخسائر الناجمة عن الاختراقات؟ وما الأعباء الاقتصادية التي تتحملها هذه الشركات حتى عندما تتمكن من تعويض المتضررين؟
كم تنفق منصات العملات المشفرة على الحماية؟
بحسب تقرير نشرته "بينانس" في 29 يونيو/حزيران 2026، بعنوان "الامتثال بالأرقام.. داخل البنية العالمية لحماية بينانس"، تخصص الشركة نحو 300 مليون دولار سنويا لأنشطة الامتثال، تشمل التكنولوجيا والتحقيقات والعمليات التشغيلية والبرامج والموارد البشرية المرتبطة بحماية المستخدمين ومكافحة الجرائم المالية.
وأوضحت المنصة أن نحو 1500 موظف، أي ما يقارب ربع قوتها العاملة، يشغلون وظائف مرتبطة بالامتثال، في مؤشر على حجم الموارد البشرية المخصصة لمراقبة المعاملات وإدارة المخاطر المالية والتنظيمية.
ووفقا لتقديرات أوردتها "بينانس"، استنادا إلى أبحاثها وبيانات من شركتي "أسنت إيه آي" و"بوسطن كونسلتينغ غروب"، يعادل إنفاقها السنوي على الامتثال نحو 0.22% من قيمة الأصول التي تحتفظ بها، مقابل 0.14% في القطاع المالي الأوسع، بزيادة تقارب 57% وفق منهجية المقارنة التي اعتمدتها الشركة.
غير أن هذه الأرقام لا تمثل ميزانية مستقلة للأمن السيبراني، إذ تشمل أيضا تكاليف الامتثال القانوني والتنظيمي ومكافحة غسل الأموال والتعاون مع السلطات. لذلك، لا يمكن اعتبار المبلغ المعلن إنفاقا مخصصا حصريا لمنع اختراق الأنظمة والمحافظ الرقمية، أو استخدامه وحده لتقييم كفاءة إجراءات الحماية التقنية.
وبحسب التقرير ذاته، خصصت "بينانس" أكثر من 3 ملايين دولار للقدرة الحاسوبية المرتبطة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجال الامتثال خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026، بهدف تطوير أنظمة رصد المعاملات المشبوهة وكشف عمليات الاحتيال.
وتوضح هذه البيانات حجم الإنفاق المعلن على منظومة الامتثال والحماية بمعناها الواسع، لكنها لا تكشف مقدار ما يخصص تحديدا لتأمين البنية التقنية والمحافظ الرقمية، الأمر الذي يصعّب إجراء مقارنة دقيقة بين الإنفاق الأمني الفعلي للمنصات.
تكلفة الاختراق.. عندما تتجاوز الخسائر ميزانيات الوقاية
لا تكشف ميزانيات الحماية وحدها حجم المخاطر المالية التي تواجه منصات العملات المشفرة، إذ تشير بيانات القطاع إلى أن اختراقا واحدا للبنية التحتية قد يتسبب في خسائر تتجاوز بكثير النفقات السنوية التي تعلنها بعض الشركات على الامتثال والأمن.
وبحسب تقرير أصدرته شركة "تي آر إم لابس"، المتخصصة في تحليل معاملات العملات المشفرة، في الأول من يوليو/تموز 2026، شهد النصف الأول من العام 207 عمليات اختراق، مقارنة بـ83 عملية خلال الفترة نفسها من عام 2025، بزيادة تقارب 149%.
ورغم الارتفاع الكبير في عدد الحوادث، تراجعت قيمة الأموال المسروقة إلى نحو 972 مليون دولار، مقابل 2.3 مليار دولار خلال النصف الأول من العام السابق، ما يشير إلى أن زيادة عدد الهجمات لا تعني بالضرورة ارتفاع إجمالي الخسائر، التي تتأثر أيضا بحجم كل عملية اختراق.
وأظهر التقرير أن الهجمات التي استهدفت البنية التحتية والأنظمة التشغيلية شكلت نحو 15% من إجمالي الحوادث، لكنها استحوذت على حوالي 76% من الأموال المسروقة، في حين تركزت معظم الهجمات الأخرى على استغلال ثغرات العقود الذكية، وكانت خسائرها أقل نسبيا.
وبلغ متوسط الخسارة 4.7 ملايين دولار لكل اختراق، مقابل قيمة وسيطة بلغت 219 ألف دولار، وهو فارق يعكس استحواذ عدد محدود من الهجمات الضخمة على الجزء الأكبر من الخسائر، في حين ظلت الأضرار المالية لمعظم الحوادث أقل بكثير من المتوسط العام.
وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة عند مقارنتها باختراق "بينانس"، إذ تعادل قيمة الأصول المسروقة المعلنة، والبالغة 6.3 مليارات دولار، نحو 21 ضعفا من إنفاق الشركة السنوي على الامتثال، البالغ 300 مليون دولار.
ومع ذلك، لا تقيس هذه المقارنة فعالية الإنفاق الأمني بصورة مباشرة، لأن ميزانية الامتثال تشمل أنشطة لا ترتبط بمنع الاختراقات، كما أن قيمة الأصول المسروقة لا تعادل بالضرورة الخسارة النهائية بعد التجميد والاسترداد والتعويض.
وتقدم منصة "كوينبيس" الأمريكية مثالا آخر على الأعباء المالية التي قد تستمر بعد الحوادث الأمنية، حتى عندما لا تتعرض المفاتيح الخاصة للعملات المشفرة للسرقة.
فوفقا للتقرير السنوي للشركة عن السنة المالية المنتهية في 31 ديسمبر/كانون الأول 2025، دفعت "كوينبيس" نحو 311.2 مليون دولار نقدا خلال العام، شملت تعويضات طوعية للعملاء وتكاليف قانونية مباشرة مرتبطة بحادثة سرقة بيانات كُشف عنها في مايو/أيار من العام نفسه.
وأوضحت الشركة في إفصاحها المقدم إلى هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية أن الحادثة تضمنت حصول جهة مهاجمة على معلومات تخص بعض حسابات العملاء ووثائق داخلية، استُخدمت لاحقا في محاولات احتيال تعتمد على انتحال الهوية وخداع العملاء للاستيلاء على أموالهم، دون اختراق كلمات المرور أو المفاتيح الخاصة.
وحذرت "كوينبيس" من استمرار المخاطر المرتبطة بالحادثة، بما يشمل الأضرار المحتملة لسمعتها وتكاليف التحقيقات التنظيمية والدعاوى القضائية، ما يوضح أن التكلفة الاقتصادية للاختراق قد تتجاوز قيمة الأموال المسروقة مباشرة، وتستمر حتى بعد معالجة الثغرة الأمنية.
مليارات الدولارات على التكنولوجيا.. هل تكفي الميزانيات لحماية الأصول؟
تثير الفجوة بين الإنفاق المعلن على الامتثال والحماية وحجم الخسائر المحتملة تساؤلات بشأن كيفية تحديد الميزانية المناسبة للأمن السيبراني في منصات العملات المشفرة، خصوصا أن قيمة الأصول التي تحتفظ بها هذه الشركات تتغير بسرعة تبعا لحركة الأسعار وتدفقات المستثمرين.
ووفقا لتقريرها السنوي، بلغت نفقات منصة "كوينبيس" على التكنولوجيا والتطوير نحو 1.67 مليار دولار خلال عام 2025، بزيادة 14% عن العام السابق، وشكلت 24% من صافي إيراداتها. وشملت هذه النفقات أجور الموظفين والبنية التحتية والتطوير التقني، دون الإفصاح عن المبالغ المخصصة للأمن السيبراني بصورة منفصلة.
وبالتالي، لا يمكن اعتبار كامل الإنفاق التكنولوجي ميزانية مخصصة للحماية، مثلما لا يمكن اعتبار جميع نفقات الامتثال موجهة لمنع الاختراقات. ويحد غياب الإفصاحات التفصيلية عن مخصصات الأمن السيبراني من قدرة المستثمرين على مقارنة كفاءة الإنفاق بين المنصات وتحديد مدى كفايته لمواجهة المخاطر.
ولا يعتمد تقييم مستوى الحماية على حجم الميزانية وحده، بل يتطلب معرفة كيفية توزيع الموارد بين تأمين المحافظ الرقمية وإدارة صلاحيات الموظفين ومراقبة التحويلات الكبيرة، إلى جانب سرعة اكتشاف الهجمات والاستجابة لها والقدرة المالية على تعويض المتضررين.
وفي هذا السياق، أوصت "تي آر إم لابس" المؤسسات الحافظة للأصول الرقمية بإعطاء أولوية أكبر لحماية البنية التحتية المسؤولة عن التحكم في الأموال، ووضع خطط للاستجابة السريعة للاختراقات، وتخصيص احتياطيات مالية لتغطية الخسائر المحتملة وتعويض العملاء.
ويعني ذلك أن التحدي لا يقتصر على زيادة المخصصات المالية، بل يمتد إلى مدى فعالية توجيهها نحو الثغرات التي قد تتسبب في أكبر الخسائر، وقدرة الشركات على اختبار أنظمة الحماية والاستجابة قبل وقوع الحوادث.
الاختراقات وثقة المستثمرين.. ما التكلفة على المنصات؟
لا تنتهي التداعيات المالية للهجمات الإلكترونية عند استعادة الأموال أو تعويض العملاء المتضررين، إذ قد تواجه منصات التداول ضغوطا إضافية إذا دفعت المخاوف الأمنية المستثمرين إلى نقل أصولهم إلى منصات منافسة أو محافظ خارجية، بما قد يقلص حجم الأصول المحفوظة لديها ويؤثر لاحقا في نشاطها التجاري.
وتقدم ورقة بحثية بعنوان "التهافت على سحب الأموال من وسطاء البلوكتشين"، أعدها الباحثان دانييلي بيانكي من جامعة كوين ماري في لندن، وكيريل شاخنوف من جامعة ساري البريطانية، ونُشرت على منصة الأبحاث العلمية "إس إس آر إن" في 23 أكتوبر/تشرين الأول 2026، مؤشرات كمية بشأن استجابة المستثمرين للأزمات التي تتعرض لها منصات العملات المشفرة.
وقدرت الدراسة صافي الأصول الخارجة من المنصات المتضررة بنحو 8% من أرصدتها عقب الحوادث الأمنية، مقابل 17% في حالات الإعسار و1% عقب الإجراءات التنظيمية.
وأظهرت الدراسة أن معظم عملات بيتكوين المسحوبة تتجه إلى جهات خارج منصات التداول، ما يشير إلى أن بعض المستثمرين يفضلون نقل أصولهم بعيدا عن الجهات المركزية عند تصاعد المخاطر الأمنية.
وقد ينعكس انخفاض الأصول المحفوظة لدى المنصة على قدرتها على الاحتفاظ بالعملاء وتحقيق الإيرادات مستقبلا، لكنه لا يعني بالضرورة تراجعا مماثلا في السيولة التشغيلية أو أحجام التداول أو الأرباح، لأن أصول العملاء تختلف عن الموارد المالية المملوكة للشركة.
وتوضح الدراسة أن الحوادث الأمنية تمثل خطرا يتعلق بسلامة حفظ الأصول، وهو ما يجعل استجابة المستثمرين لها أكثر حدة من استجابتهم للإجراءات التنظيمية، لكنها تبقى أقل من ردود الفعل المرتبطة بحالات الإعسار التي تثير مخاوف بشأن قدرة المؤسسة نفسها على الوفاء بالتزاماتها.
ولا تعني هذه النتائج أن منصة "بينانس" ستشهد بالضرورة سحوبات تعادل 8% من أصولها عقب الاختراق الأخير، إذ يتعلق الرقم بتقدير مستخلص من الحوادث التي شملتها الدراسة، وليس توقعا خاصا بالمنصة.
وتكشف هذه المعطيات أن التكلفة الاقتصادية للاختراقات تتوزع بين الأموال المسروقة ونفقات الاستجابة والتعويض والأعباء القانونية، فضلا عن الخسائر التجارية المحتملة نتيجة تراجع ثقة العملاء. وفي المقابل، لا تتيح الإفصاحات المالية المتاحة تحديد حجم الإنفاق الأمني الفعلي لكل منصة بصورة تسمح بمقارنته مباشرة بتلك التكاليف.
وبذلك، لم تعد الحماية الرقمية مجرد بند تقني في ميزانيات منصات العملات المشفرة، بل أصبحت عاملا مؤثرا في قدرتها على الاحتفاظ بأصول العملاء وضمان استمرار نشاطها. ويبقى السؤال الاقتصادي الأهم ليس فقط كم تنفق هذه المنصات على الحماية، بل ما مقدار المخاطر التي تستطيع هذه النفقات الحد منها، وما التكلفة التي ستتحملها إذا فشلت إجراءات الوقاية.


