فلسطين أون لاين

السردية الفلسطينية.. حين تصبح الحقيقة معركة

لم تعد الحرب على فلسطين تُخاض في الميدان وحده؛ فثمة معركة موازية تدور على المعنى: من يحدد بداية القصة؟ ومن يسمي الفاعل والضحية؟ وأي صورة تبقى في ذاكرة العالم بعد أن يتراجع الخبر العاجل؟

*خلال معركة طوفان الأقصى، تحولت السردية إلى ساحة مركزية في الصراع*. امتلك الاحتلال مؤسسات سياسية وعسكرية وإعلامية قادرة على إنتاج روايته بسرعة، وتعميم مصطلحاته وصوره وتفسيراته، في  حين وجد الإعلام الفلسطيني نفسه أمام مهمة مضاعفة: توثيق ما يجري، ومنع اقتطاع الحدث من سياقه التاريخي والسياسي والإنساني.

*السردية ليست بيانًا سياسيًا، ولا تكرارًا لشعارات جاهزة، بل هي بناء متراكم يبدأ من اختيار الخبر والمصدر والمصطلح والصورة، ويمر بالسياق، وينتهي بالمعنى الذي يستقر في ذهن الجمهور*. ولهذا قد تكون الواقعة واحدة، لكن طريقة تقديمها تصنع فهمًا مختلفًا جذريًا.

فحين يتحول الفلسطيني إلى رقم في حصيلة يومية، يضيع الإنسان خلف الإحصاء. أما حين يظهر باسمه وبيته وعائلته وقصته، تصبح الصورة أكثر قدرة على تفسير المأساة. وكذلك لا يكفي الحديث عن النزوح بوصفه حركة سكانية مؤقتة؛ فبالنسبة للفلسطيني يرتبط التهجير بذاكرة ممتدة من الاقتلاع وفقدان المكان والخوف من تكرار النكبة.

*قوة السردية الفلسطينية لا تأتي من المبالغة أو ارتفاع نبرة الخطاب، بل من الدقة والتوثيق وربط الحدث بسياقه*. فالإنسان الفلسطيني، والاحتلال الممتد، والحق في الأرض، ورفض التهجير، والقدس، والأسرى، والهوية والذاكرة، كلها عناصر تصنع رواية أكثر تماسكًا وقدرة على الوصول والتأثير.

المشكلة أن الإعلام الفلسطيني بقي في أحيان كثيرة أسير رد الفعل: إسرائيل تقول، ونحن ننفي؛ الاحتلال يقدم رواية، ونحن نرد عليها. بهذه الطريقة يبقى الطرف الآخر هو الذي يحدد أجندة النقاش ومفرداته ونقطة بدايته.

المطلوب هو الانتقال من السردية الدفاعية إلى السردية المبادرة: توثيق مبكر، أرشيف رقمي موثوق، بنك معلومات، مصطلحات دقيقة، محتوى متعدد اللغات، ووحدات تحقق تسبق التضليل ولا تكتفي بملاحقته.

المعركة ليست فقط على من يملك الصورة، بل على من يمنحها معناها. ومن ينجح في تثبيت الحقيقة داخل ذاكرة العالم، يربح جزءًا مهمًا من معركة التاريخ.

المصدر / فلسطين أون لاين