تتواصل تداعيات التسرب النفطي قبالة سواحل الإمارات مع اتساع رقعة التلوث ووصوله إلى شواطئ أم القيوين، وسط مخاوف من امتداد آثاره إلى مناطق ساحلية أخرى، في وقت تكثف فيه السلطات جهود الاحتواء والتنظيف وتقييم الأضرار البيئية.
وبدأت الحادثة في 9 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، إثر تعرض ناقلة النفط "جيم نمبر 2"، التي ترفع علم بنما، لمقذوف على بعد نحو 13 ميلًا بحريًا غرب منطقة الجزيرة الحمراء بإمارة رأس الخيمة. وفي 19 أكتوبر/تشرين الأول، وردت بلاغات عن انتشار روائح وقود نفاذة في مناطق بالإمارات، قبل أن ترصد شركة "ويندوارد" المتخصصة في استخبارات البيانات البحرية تسربًا نفطيًا على بعد نحو 25 كيلومترًا من ساحل أم القيوين.
وأظهرت صور الأقمار الصناعية في 21 أكتوبر/تشرين الأول وجود التسرب، فيما أعلنت السلطات الإماراتية، في 23 أكتوبر/تشرين الأول، تأثر شواطئ أم القيوين به، وبدء عمليات الاحتواء والتنظيف وإغلاق المناطق الساحلية. واتسعت الإجراءات لاحقًا لتشمل شاطئ الحمرية في الشارقة، وجميع شواطئ رأس الخيمة حتى إشعار آخر.
وأوضح الدكتور مجدي علام، الأمين العام لاتحاد خبراء البيئة العرب ومستشار مرفق البيئة العالمي، أن حركة البقع النفطية لا تتجه بالضرورة نحو أقرب ساحل، بل تتحكم فيها عوامل متعددة، أبرزها الرياح والأمواج والتيارات البحرية، التي قد تدفع النفط نحو شواطئ أبعد قبل وصوله إلى مناطق أقرب من موقع التسرب.
وأشار علام إلى أن التيارات تنقل النفط مع حركة المياه، فيما تؤثر الرياح مباشرة في الطبقة النفطية الطافية، وقد تدفعها في اتجاه مختلف عن اتجاه التيارات، بينما تسهم الأمواج في تفتيت البقعة إلى قطرات صغيرة قد تنتشر داخل المياه بدل بقائها على السطح.
وتدعم هذه التفسيرات دراسة أُجريت في الخليج العربي عام 2013، ونُشرت في دورية "إنترناشونال جورنال أوف ماريتايم تكنولوجي"، إذ أظهرت أن الرياح كان لها التأثير الأكبر في انتشار البقع النفطية ضمن السيناريوهات التي تناولتها، تلتها الأمواج، فيما أسهمت التيارات المدية في توسيع نطاق انتشارها. كما تشير دراسة منشورة في دورية "مارين بولوشن بوليتن" إلى أن مسارات التلوث ومخاطر وصول النفط إلى السواحل تتغير بحسب الموسم وموقع التسرب.
وفي مواجهة التسرب، تشمل إجراءات الاستجابة تحديد موقع البقعة ومساحتها واتجاه حركتها باستخدام صور الأقمار الصناعية، وتحديد نوع النفط ومصدره، والتحقق مما إذا كان التسرب مستمرًا. وتُستخدم حواجز عائمة لتطويق النفط أو تحويل مساره بعيدًا عن الشواطئ الحساسة ومناطق أشجار القرم والموائل البحرية، إلى جانب سفن مزودة بأجهزة لكشط النفط من سطح المياه، ومواد ماصة لالتقاطه، ووسائل أخرى للاحتواء والمعالجة وفق طبيعة الموقع.
وتشمل الإجراءات أيضًا جمع النفط والرمال الملوثة من الشواطئ، وإغلاق المناطق الساحلية ومناطق الصيد أو تقييد الوصول إليها احترازيًا. غير أن نجاح هذه العمليات يعتمد على حالة البحر ونوع النفط وسلوكه بعد التسرب، إذ قد تحد حركة المياه والظروف البحرية من كفاءة الحواجز وأجهزة الكشط.
وأكد علام أن عدم جمع النفط بالكامل لا يعني بالضرورة وصوله إلى الشاطئ، إذ يخضع بعد التسرب لعمليات طبيعية تشمل التبخر والتشتت والتحلل وانتقال بعض المركبات إلى الرواسب البحرية. لكنه شدد على أن هذه العمليات لا تعني زوال الضرر، لأن التشتت قد يعرّض الكائنات البحرية للملوثات داخل الماء، فيما يمكن أن تبقى مركبات نفطية في الرواسب أو على الشواطئ لفترات طويلة.
ولذلك، يظل تقييم الأضرار البيئية ضروريًا حتى بعد اختفاء البقعة من سطح البحر. وتشمل برامج الرصد جمع عينات من المياه والرواسب والكائنات البحرية، وتحليل المركبات النفطية ومقارنتها بمصدر التسرب، وفحص الأسماك والمحار والكائنات التي تعيش في قاع البحر، فضلًا عن توثيق الأضرار التي قد تلحق بأشجار القرم والشعاب المرجانية والأعشاب البحرية ومناطق تكاثر الكائنات.
وتوصي الإرشادات الفنية بتقسيم المنطقة المتأثرة إلى قطاعات تشمل موقع التسرب ومسار البقعة والشواطئ التي وصل إليها النفط والمناطق الحساسة المهددة، مع أخذ عينات متكررة على فترات زمنية ومقارنتها بمواقع مرجعية لتحديد اتجاه التلوث ومدى انحساره، وتقييم الحاجة إلى فرض قيود مؤقتة على الصيد أو جمع المحار.
وفيما يتعلق بالمدة اللازمة للتعافي، لا يمكن تحديد موعد دقيق لانتهاء تداعيات التسرب، إذ يتوقف ذلك على حجم التلوث وطبيعة البيئة البحرية والظروف المحيطة. ويشير علام إلى أن الخليج العربي، بمتوسط عمق يبلغ نحو 35 مترًا واتصاله بالمياه المفتوحة عبر مضيق هرمز، قد يستغرق وقتًا أطول للتخلص من بعض الملوثات مقارنة ببيئات بحرية أكثر انفتاحًا.
وتقدر دراسة منشورة في دورية "مارين بولوشن بوليتن" زمن تجدد مياه الخليج العربي بنحو ثلاث إلى خمس سنوات، مع اختلاف المدة بحسب الموقع وطريقة الحساب. كما أظهرت دراسة منشورة في دورية «فرونتيرز إن مارين ساينس» عام 2017، تناولت آثار التسرب النفطي الكبير خلال حرب الخليج عام 1991، تفاوت التعافي بين المناطق البحرية؛ إذ تعافت المواقع المفتوحة بدرجة أفضل، بينما ظلت بعض الخلجان الساحلية المحمية تعاني آثار التلوث في الرواسب بعد أكثر من عقد.
ورغم اختلاف حجم التسرب الحالي وظروفه عن تسرب عام 1991، فإن هذه التجارب تؤكد أن اختفاء النفط من سطح البحر لا يعني انتهاء آثاره البيئية، وأن احتواء البقعة يجب أن يترافق مع رصد طويل الأمد للمياه والرواسب والكائنات البحرية، لتحديد حجم الأضرار ومدى تعافي المناطق المتأثرة.

