ليست المفارقة في توقيت عملية الخليل، بل في ازدواجية المعايير التي تحاكم الفعل الفلسطيني بالدقيقة والساعة، في حين تمنح الاحتلال الإسرائيلي حصانة مفتوحة لجرائمه على مدار الساعة. فحين يقتل الاحتلال ويستوطن ويهدم المنازل ويغلق الطرق، لا تُطرح أسئلة التوقيت والتداعيات، لكن حين تقع عملية فلسطينية، تنطلق فجأة التحذيرات من التصعيد والذرائع والنتائج! وكأن المطلوب من الفلسطيني أن يختار توقيتًا مناسبًا لرفض احتلال لا يتوقف لحظة عن انتهاك حقوقه. إن أخطر ما في هذه الجدلية أنها تنقل الاحتلال من موقع الجاني إلى موقع الضحية، وتحاول تحميل الفلسطيني مسؤولية جرائم لم تتوقف قبله ولن تتوقف بعده.
قبل عملية الخليل، لم تكن الضفة الغربية تعيش هدوءًا أو استقرارًا؛ فقد كانت مسرحًا يوميًا للقتل والاعتقال وهدم المنازل ومصادرة الأراضي، وإقامة الحواجز العسكرية التي تجاوز عددها، وفق إحصاءات متداولة، 960 حاجزًا وبوابة وعائقًا، فضلًا عن التوسع الاستيطاني واعتداءات المستوطنين تحت حماية جيش الاحتلال.
وفي الخليل تحديدًا، سبقت العملية اعتداءات وهدم لمبانٍ ومنازل قرب حاجز فرش الهوى، الذي شهد عمليات إطلاق نار وقتل بحق فلسطينيين. وفي شمال الضفة، حيث يروّج الاحتلال لنجاحه في تفكيك البنية المسلحة، لم تتوقف هجمات المستوطنين ولا عمليات الاقتحام والتدمير. فأين كان دعاة التهدئة حين كانت هذه الجرائم تُرتكب دون عمليات فلسطينية؟
الأخطر أن بعض الجهات تسعى، بالتوازي مع الخطاب الإسرائيلي، إلى تحويل النقاش من جرائم الاحتلال إلى توقيت الفعل الفلسطيني، وتحميله مسؤولية التصعيد، بما يخلق حالة من التشكيك والضغط السياسي والإعلامي لتقييد المقاومة وتعطيلها في الضفة الغربية.
ولا يعني ذلك إعفاء أي فعل من تقييم نتائجه وتداعياته، فالمراجعة السياسية مطلوبة، لكن تحويلها إلى أداة لتبرئة الاحتلال وقلب العلاقة بين السبب والنتيجة يمثل انحرافًا خطيرًا في قراءة الصراع.
أما الحديث عن أن العملية تمنح نتنياهو مكاسب انتخابية، فيتجاهل أن الاحتلال يوظف التصعيد والتهدئة معًا لخدمة حساباته السياسية، وأن سياساته الاستيطانية والقمعية سبقت العملية بسنوات، ولن تتوقف لمجرد غيابها.
إن *أخطر ما يُراد تكريسه اليوم ليس مجرد الجدل حول عملية الخليل، بل صناعة وعي فلسطيني يخشى مساءلة الاحتلال، وينشغل بمحاسبة نفسه على توقيت رفضه للظلم*. فالاحتلال لا ينتظر عملية ليقتل، ولا يحتاج إلى ذريعة ليستوطن، ولا يستأذن أحدًا ليهدم ويهجّر.
وعليه، فالسؤال ليس لماذا جاءت عملية الخليل الآن، بل لماذا يُراد للفلسطيني أن يظل أسير حسابات التوقيت، في حين يواصل الاحتلال جرائمه بلا توقيت ولا حدود؟ إن *تحويل النقاش من أصل الجريمة إلى ردود الفعل عليها ليس قراءة سياسية بريئة، بل هو قلب للحقيقة يخدم الاحتلال، ويمنحه ما عجز عن فرضه بالقوة*: إسكات الفلسطيني عن حقوقه، وتحويل وجود الاحتلال نفسه إلى أمر واقع خارج المساءلة.


