☰
✕

قائمة الموقع

"اجيت يا عبد".. نور الهدى تحتضن حفيدها الذي لم يره أبوه الشهيد

2026-10-25T12:08:00+02:00
"اجيت يا عبد".. نور الهدى تحتضن حفيدها الذي لم يره أبوه الشهيد
فلسطين أون لاين

تحدّق نور الهدى شعث في وجه الرضيع بين ذراعيها، تمرّر أصابعها على ملامحه الصغيرة، ثم تقرّبه من صدرها وتناديه: "اجيت يا ماما، اجيت يا حبيبي عبد".

تتأمل وجهه طويلًا، كأنها تبحث عن ملامح ابنها الصحفي الشهيد عبد الرؤوف شعث في طفولته، قبل أن تغالب دموعها. أمامها طفل يحمل اسم أبيه، لكنه لن يعرفه إلا من الصور والحكايات؛ فقد رحل والده قبل أن يراه أو يحمله.

في 15 أكتوبر/تشرين الأول 2026، وُلد عبد الرؤوف عبد الرؤوف شعث، بعد نحو تسعة أشهر من استشهاد والده. كانت العائلة قد احتفلت بزفاف عبد الرؤوف في 3 يناير/كانون الثاني 2026، قبل أن تفقده في 21 من الشهر نفسه، في حين جاء طفله إلى الدنيا حاملًا اسمه، بعدما انتظرته العائلة طوال أشهر الحمل. وحين احتضنته جدته للمرة الأولى، اختلطت فرحتها بمولده بحزنها على ابنها الذي حُرم من هذه اللحظة.


 

دعاء الفجر

تستعيد نور الهدى فجر يوم استشهاد ابنها، حين جلست على سجادة الصلاة، وطلبت من الله أن يترك لها ذكرى منه، وأن تكون زوجته حاملًا، حتى يبقى شيء من روحه حاضرًا في حياتها.

وبعد نحو أسبوع من استشهاده، علمت العائلة أن زوجته حامل. تقول نور الهدى إنها لم تتفاجأ بالخبر، بل شعرت بأن دعاءها استُجيب. ومنذ ذلك الحين، انتظرت المولود بشوق، وكانت تحدثه وهو في بطن أمه، وتدعوه إلى المجيء، حتى وجدته بين ذراعيها، فخاطبته باسم أبيه.

استُشهد عبد الرؤوف، إثر استهداف إسرائيلي خلال مهمة صحفية ميدانية في منطقة الزهراء وسط قطاع غزة، بعد أقل من ثلاثة أسابيع على زواجه. كان يتطلع إلى تكوين أسرة وحمل طفله، لكن الحرب أنهت حياته قبل أن تتحقق أمنيته.


 

انتظار الابن

تقول نور الهدى لصحيفة "فلسطين" إن الشبه بين الطفل ووالده في صغره أعاد إليها صورته، وإنها وجدت نفسها تنتظر عبد الرؤوف، لا حفيدها وحده. وتضيف أن ابنها لم يكن بالنسبة إليها ولدًا فحسب، بل كان صديقًا ورفيق درب وسندًا، يمنحها الحنان ويطمئن عليها باتصالاته المتكررة.

ومن بين ذكرياتها معه، تتوقف عند تفاحة اشتراها لها خلال وجوده في مستشفى ناصر وأرسلها إليها كي تأكل منها. بقيت هذه التفاصيل الصغيرة حاضرة في ذاكرتها، مثل حرصه الدائم على السؤال عنها وتلبية ما يستطيع من احتياجاتها.

من الكاميرا إلى الميدان

وُلد عبد الرؤوف في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 1991، ونشأ طفلًا هادئًا محبًا للناس، بحسب والدته. درس الصحافة والإعلام في جامعة العلوم التطبيقية، وبدأ العمل في التصوير الحر بعدما حصل على كاميرته الأولى.

وخلال حرب عام 2014، خرج لتصوير آثار القصف والجرحى والمصابين، فيما كانت أمه تخشى عليه وتطالبه بألا يذهب إلى الميدان. لاحقًا، عمل مع وسائل إعلام ووكالات مختلفة، وصولًا إلى وكالة الصحافة الفرنسية.

وتقول نور الهدى إنها كانت تحذره من مخاطر العمل الصحفي، لكنه كان يطلب منها الدعاء، ويطمئنها بأن ما يقدّره الله سيحدث. أما هي، فلم تكن تريد سوى أن يعود إلى البيت سالمًا.

إنسان قبل الصحفي

لم تكن الكاميرا وحدها تشغل عبد الرؤوف؛ فقد شارك في مساعدة العائلات خلال المنخفضات الجوية، وكان يخرج ليلًا مع صديق له لنقل الناس من أماكن تجمع المياه إلى مواقع أكثر أمانًا.

وتستحضر والدته جريمة استهداف خيمة الصحفيين قرب مستشفى ناصر، حين ترك كاميرته واندفع لمحاولة إنقاذ زميله الصحفي أحمد منصور. وتعدّ ذلك الموقف دليلًا على أن إنسانيته كانت تتقدم على عمله، وأنه لم يتردد في محاولة إنقاذ الآخرين حين كانوا في خطر.

حكاية الأب

بعد استشهاده، واجهت زوجته سؤالًا موجعًا عن كيفية تربية طفل لن يرى والده. وتقول نور الهدى إنها وعدتها بأن تكون إلى جانبها، وأن تساعدها في تربية الصغير، ليجد حوله عائلة تسنده رغم غياب أبيه.

ولا ترغب الأم في أن يسلك حفيدها طريق الصحافة، لما رأته من مخاطر المهنة ومشقتها، لكنها تتمنى أن يرث عن والده الشهامة والكرم والحنان ومحبة الناس.

تريد نور الهدى أن يكبر حفيدها، وأن تراه شابًا وتفرح بزواجه وأبنائه. وإلى أن يكبر ويبدأ بالسؤال عن أبيه، ستروي له حكاية الرجل الذي منحه اسمه، ورحل قبل أن يضمه إلى صدره.

أما الآن، فتحتضنه وتناديه «عبد»، وتراه امتدادًا لابنها الغائب؛ طفلًا جاء إلى الدنيا بعد رحيله، ليحمل اسمه، وتروي له عائلته حكايته.

اخبار ذات صلة