لا تخلو قصص شهداء الرياضة الفلسطينية من الصفات الطيبة التي اجتمعت فيهم، من الأخلاق والالتزام وحسن المعاملة إلى العطاء الدائم والإخلاص لأنديتهم، فقدت الرياضة الفلسطينية خيرة شبابها الذين صنعوا المجد مع فرقهم، وتركوا بصمات واضحة في الملاعب، وقدموا نماذج في التضحية والتميز، قبل أن تنتزعهم حرب الإبادة الإسرائيلية من بين عائلاتهم وأصدقائهم وجماهيرهم.
وفي هذه الأيام، تمر الذكرى السنوية الثانية لاستشهاد نجم نادي خدمات رفح، اللاعب الخلوق رشيد وليد محمود النمس، المعروف بلقب "أبو الوليد"، الذي ارتقى برفقة زوجته الحامل وطفله الصغير وليد، في واحدة من المجازر التي شهدها قطاع غزة خلال حرب الإبادة المستمرة.
لم يكن رحيل رشيد خسارة لعائلته وحدها، بل شكل فاجعة لأصدقائه وزملائه في الملاعب، ولجماهير نادي خدمات رفح والأندية التي ارتدى قمصانها خلال مسيرته الرياضية، بعدما ترك خلفه سيرة طيبة وذكريات لا تزال حاضرة في قلوب كل من عرفه.
وُلد الشهيد رشيد النمس في مخيم الشابورة بمدينة رفح، يوم 21 أبريل/نيسان 1995، ونشأ في بيئة تعشق كرة القدم، حيث كانت الملاعب الشعبية والساحات القريبة من المنازل والمساجد تشكل مساحة أساسية لاكتشاف المواهب وصقل قدراتها.
ومنذ سنواته الأولى، تعلق رشيد بكرة القدم، وبدأ خطواته في المدارس والساحات الشعبية، قبل أن ينضم إلى فئات الناشئين في نادي خدمات رفح، أحد أبرز الأندية الفلسطينية وأكثرها حضورا في تاريخ كرة القدم بقطاع غزة.
من ناشئي خدمات رفح إلى الفريق الأول
تدرج رشيد في الفئات العمرية لنادي خدمات رفح، معتمدا على اجتهاده والتزامه ورغبته المستمرة في تطوير مستواه، حتى تمكن من الوصول إلى الفريق الأول، في محطة شكلت تتويجا لسنوات من العمل والمثابرة.
وجاء تصعيده إلى الفريق الأول خلال فترة تولي المدرب محمود المزين قيادة الفريق، بعدما أظهر اللاعب موهبة وقدرة على شغل مركز المدافع الأيسر، الذي احتاج إلى لاعب يتمتع بالانضباط والقدرة على أداء واجباته الدفاعية.
وخاض النمس مباريات عديدة في دوري الدرجة الممتازة، وقدم خلالها مستويات مميزة، مستفيدا من قدرته على الالتزام بالتعليمات الفنية والعمل لمصلحة المجموعة، بعيدا عن البحث عن الأضواء أو المجد الشخصي.
ولم تقتصر قيمة رشيد على ما يقدمه داخل المستطيل الأخضر، إذ عرفه زملاؤه لاعبا خلوقا وصاحب شخصية محبوبة، تجمع بين الجدية في التدريبات والروح المرحة خارج أوقات المنافسات.
كان بالنسبة إلى كثيرين أكثر من مجرد زميل في الفريق؛ فقد شكل الأخ الذي يساند الآخرين، والوجه البشوش الذي يخفف أجواء الضغط، وصاحب النكتة والضحكة اللتين لا تفارقانه في مختلف الظروف.
وبهذه الصفات، ترك رشيد أثرا إنسانيا لا يقل أهمية عن حضوره الرياضي، وأصبح اسمه مرتبطا في ذاكرة زملائه بالأخلاق والتواضع وحسن المعاملة، وهي صفات ظلت حاضرة في شهادات من عرفوه عن قرب.
محطات متعددة وشارة قيادة القادسية
بعد تجربته مع خدمات رفح، انتقل رشيد إلى نادي القادسية الرفحي، حيث واصل مشواره الرياضي، وحمل شارة قيادة الفريق خلال فترة تولي المدرب الراحل نايف عبد الهادي المسؤولية الفنية.
وكان ارتداء شارة القيادة دليلا على المكانة التي حظي بها اللاعب داخل الفريق، وما تمتع به من صفات جعلته قادرا على تمثيل زملائه وتحمل المسؤولية، إلى جانب دوره في مركزه الدفاعي.
كما خاض تجارب مع عدد من أندية قطاع غزة، من بينها اتحاد خانيونس وخدمات النصيرات والأهلي الفلسطيني والزيتون، ليترك بصمته في أكثر من محطة، ويعزز علاقاته مع لاعبين ومدربين وجماهير من مختلف مناطق القطاع.
وتنتمي عائلة النمس في مدينة رفح إلى العائلات المعروفة بحضورها الرياضي، إذ أنجبت عددا من اللاعبين الذين ارتبطت أسماؤهم بكرة القدم المحلية، ومن أبرزهم نادر وتوفيق وسمير ومحمد وطلعت النمس.
ويعكس هذا الحضور جانبا من طبيعة العلاقة التي تجمع مدينة رفح بكرة القدم، إذ ظلت اللعبة جزءا من حياة سكانها، ومتنفسا للشباب، ومساحة لصناعة الأحلام والإنجازات رغم الظروف الصعبة التي عاشها القطاع على مدار سنوات طويلة.
وتُعد رفح، بوابة جنوب قطاع غزة، واحدة من المدن التي ارتبط اسمها بتاريخ المنافسة الكروية، خصوصا من خلال نادي خدمات رفح وشباب رفح، اللذين شكلا ركيزة أساسية في مسيرة البطولات المحلية، وأسهمت جماهيرهما في ترسيخ مكانة المدينة على خريطة الرياضة الفلسطينية.
حرب الإبادة تنهي الحلم وتترك الوجع
بعد نحو عام من اندلاع حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، وجد رشيد النمس نفسه، مثل مئات الآلاف من الفلسطينيين، مضطرا إلى النزوح وترك منزله والحي الذي نشأ فيه، حاملا معه ذكريات الطفولة وأحلام المستقبل التي رافقته خلال مسيرته الرياضية.
لكن رحلة النزوح لم تمنحه فرصة للنجاة، إذ استشهد يوم الخميس الموافق 24 أكتوبر/تشرين الأول 2024، إثر استهداف منزل والد زوجته شرق مدينة خانيونس، ما أدى إلى تدمير المنزل بالكامل.
وجاء الاستهداف من دون تحذير، ليتحول المنزل إلى مسرح لمأساة أودت بحياة رشيد وزوجته الحامل وطفلهما وليد، إلى جانب عديله، وعدد كبير من الشهداء، بلغ نحو 35 شهيدا من المنطقة.
وبذلك، فقدت الرياضة الفلسطينية لاعبا لم يكن قد أنهى أحلامه بعد، كما فقدت عائلته أبا وزوجا وابنا، وخسر طفله فرصة النمو بين أحضان والديه، فيما بقيت ذكراه شاهدة على الثمن الباهظ الذي دفعه الرياضيون الفلسطينيون خلال الحرب.
رحل رشيد النمس، لكن حكايته لم تنتهِ عند لحظة استشهاده. فصورته في الملاعب، وابتسامته بين زملائه، ومشواره الذي بدأه في ناشئي خدمات رفح، ثم امتد إلى عدد من أندية القطاع، ستبقى جزءا من ذاكرة كرة القدم الغزية.
وفي الذكرى الثانية لاستشهاده، يستعيد محبوه سيرته لاعبا مخلصا وإنسانا طيبا، في وقت لا تزال فيه الرياضة الفلسطينية تحصي خسائرها البشرية، وسط دمار طال الملاعب والمنشآت الرياضية، وأحلاما أوقفها القصف قبل أن تصل إلى نهاياتها.
سيبقى رشيد النمس حاضرا في ذاكرة نادي خدمات رفح وجماهيره، وفي قلوب زملائه وكل من عرفه، اسما يجمع بين الموهبة والأخلاق والتضحية، وشاهدا على حكاية الرياضي الفلسطيني الذي حمل حلمه إلى الملعب، قبل أن تخطفه الحرب وتترك وراءه وجعا لا تمحوه السنوات.