لم تكن عملية الخليل، من حيث حجمها العسكري، حدثًا استثنائيًا في سجل الضفة الغربية، غير أن ما تلاها يدل على استثمار الحدث بوصفه مفتاحًا لمرحلة، وقد أعلنت قوات الاحتلال والشاباك عن عملية تستمر عدة أيام في المنطقة التي خرج منها المنفذان، وأُفيد بإجبار مئات العائلات على إخلاء منازلها وتحويل بعضها إلى ثكنات، في حين يتمحور السؤال الحقيقي حول ما تؤسس له هذه الإجراءات في مسار أبعد لا يتعلق بما جرى في الخليل وحدها.
وقعت العملية قبل أيام من انتخابات 27 أكتوبر، وقد ذُكر استمرار الإغلاق لما بعد الانتخابات، فيما يتضح توظيف ملف الأمن كركيزة أساسية في العملية الانتخابية، وهو الأمر المعهود في السياسة "الإسرائيلية" منذ زمن بعيد، لكن الانتخابات القادمة تختلف عن سابقاتها؛ فالأمن حاليًا يُعتبر الملف الأضعف في "إسرائيل" منذ السابع من أكتوبر 2023، حيث إن أي مواجهة يظهر فيها الحسم الأمني تنقل النقاش من مساءلة الإخفاق في السابع من أكتوبر إلى مفاضلة الأقدر على فرض الأمن.
وبالإضافة لما سبق، فإن مفهوم كيّ الوعي المُصاغ من موشيه يعلون في الانتفاضة الثانية، والذي يكمن جوهره في عدم هزيمة المقاتل فحسب، بل تغيير حساب الكلفة والعائد لدى المجتمع الذي يحتضنه، وتطبيقه على الخليل يقوم على ثلاثة عناصر:
* تعميم الكلفة: هدم المنازل والإخلاء والإغلاق تجعل العقوبة ممتدة من المنفذ إلى عائلته وحيّه ومدينته، فتتحول البيئة الاجتماعية، في حسابات الاحتلال، إلى عامل ردع ذاتي.
* رسالة مزدوجة: الفلسطيني مخاطَب بأن الكلفة ستتجاوز الفاعل، والإسرائيلي مخاطَب بأن الردع المتضرر يُرمَّم.
* تحويل الاستثناء إلى قاعدة: ما يُقدَّم بوصفه إجراءً مؤقتًا مرتبطًا بالحدث قد يستقر لاحقًا كأمر واقع، وعلى الرغم من ذلك، فإن التجربة منذ مطلع الألفية لا تثبت أن العقاب الجماعي ينهي المقاومة، بل قد يعيد إنتاج دوافعها، وتكرار العمليات رغم الحشد العسكري يشير إلى ذلك. أما إسرائيل، فتقدّم ما تفعله على أنه تفتيش مركّز عن السلاح في بيئة خرج منها الهجوم، وتراه ضرورة أمنية.
كما أن التهجير الجماعي المعلن بقرار رسمي مستبعد، لاصطدامه بحواجز قانونية ودبلوماسية، وبخط أردني أحمر، وبكثافة سكانية يصعب تفريغها، لكن ذلك لا يعني غياب الهدف، فأنجع أساليبه ما يتحقق بالتراكم دون إعلان، كما يحدث من اعتداءات المستوطنين على الزراعة والرعي، وإقامة البؤر، وتقييد الحركة، والهدم، والإخلاءات التي يُفترض أنها مؤقتة؛ ليتيح هذا المسار نقل المسؤولية من قرار سياسي يمكن محاسبته إلى وقائع يصعب نسبتها إلى جهة واحدة.
والأدق أن ما نشهده أشبه ما يكون بهندسة ديموغرافية تُركّز السكان في جيوب مكتظة وتفرغ بعض المناطق تدريجيًا، لا ترحيلًا شاملًا على مرحلة واحدة، والمؤشر الحاسم في الخليل هو مصير الأحياء المُخلاة: هل تتحول إلى مناطق عازلة أو مواقع عسكرية دائمة في ظل دعوات سموتريتش وبن غفير إلى تفكيك السلطة، والتي تحمل تناقضًا داخليًا أمنيًا يعرفه المخططون "الإسرائيليون"، حيث إن حلّ السلطة دفعة واحدة يعني تحمّل كلفة الإدارة المباشرة لملايين السكان؛ لذلك يبدو السيناريو الأرجح هو إضعاف تدريجي: خنق مالي، وتقويض أمني وإداري، وتقليص الدور السياسي، حتى يصير الإعلان الرسمي عن نهايتها شكليًا. وطُرحت فعلًا صيغ بديلة، كإسناد الإدارة المدنية اليومية إلى جهة أخرى.
الخلاصة:
ما يحدث اليوم في الخليل يعد اختبارًا لا لقدرة الاحتلال العسكرية، وإنما لحدود ما يمكن فرضه بالتراكم دون مواجهة، والمعيار الذي ينبغي أن يحكم قراءتنا هو الفارق بين الإجراء المؤقت والواقع الدائم، فكل خطوة تبقى بعد انتهاء الحدث الذي بُررت به تُحسب في مسار أطول، وما سيحدد وجهة هذا المسار هو نتيجة 27 أكتوبر، وصمود المجتمع المحلي، وحدود ما تقبله العواصم المؤثرة.