☰
✕

قائمة الموقع

بين ركام منزلها وشواهد القبور.. ألما جعرور تبحث عن مكان دفن أفراد عائلتها

2026-10-23T13:09:00+03:00
الطفلة ألما جعرور
فلسطين أون لاين

تدخل ألما جعرور المقبرة بحثًا عن قبور والديها وإخوتها الأربعة، تتنقل بين المواضع التي كانت تعرفها، لكنها لا تعثر على ما يدلّها على أماكن دفنهم. تبكي وهي تحاول تذكّر أين دفنوا قبل أن تغادر المكان من دون أن تتمكن من تحديد قبورهم؛ فالمقبرة التي احتضنت جثامين أفراد عائلتها بعد انتشالها من تحت الأنقاض جرفتها آليات جيش الاحتلال لاحقًا وتبدلت معالمها.

في كل زيارة، تواجه ألما شكلًا جديدًا من الفقد؛ فقد خسرت عائلتها تحت الركام، ثم خسرت المكان الذي كانت تأمل أن تقف فيه لتترحم عليهم، وهي التي نجت وحدها من أسرتها بعد قصف إسرائيلي استهدف بيت عمها في حي اليرموك بمدينة غزة، ولا تزال تبحث عن موضع يجمعها بذكراهم، وعن حياة تستطيع مواصلتها بعد أن غاب عنها أقرب الناس إليها.

ثلاث ساعات

في 16 نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، غادرت ألما، التي تبلغ 14 عامًا، منزل عائلتها في شارع اليرموك مع اشتداد القصف، ولجأت الأسرة إلى بيت عمها، وهو مبنى من خمسة طوابق ظنوا أنه قد يوفر لهم الحماية. لكن في الثاني من ديسمبر/ كانون الأول من العام نفسه، قُصف المبنى، لتجد ألما نفسها محاصرة تحت الأنقاض، بينما فقدت والديها وإخوتها الأربعة.

كانت تحتضن والديها لحظة القصف، ثم وجدت نفسها بين كتل الإسمنت، ويدها اليسرى مكسورة ورأسها ينزف. ظلت تصرخ حتى سمعها أفراد الدفاع المدني وانتشلوها بعد نحو ثلاث ساعات. خرجت حيّة من الركام، لكنها لم تكن تعرف أن نجاتها ستتركها وحدها أمام فقدان الأسرة التي لجأت معها بحثًا عن الأمان.

قُتل والدها محمد غانم جعرور، ووالدتها نعيمة عيسى جعرور، وشقيقتها رحاب، وإخوتها الثلاثة. ومن بين المشاهد التي لا تزال عالقة في ذاكرتها صورة أخيها الصغير، الذي رأته ورأسه مفصول عن جسده.

البحث عن الضحايا

لم تستطع ألما استيعاب ما حدث، ظلت تطلب العودة إلى موقع القصف للبحث عن أفراد أسرتها تحت الأنقاض، وكأنها تأمل العثور على أحدهم أو التأكد من مصيره. وبعد ثمانية أشهر، وبينما كانت نازحة في جنوبي القطاع مع عمتها عُلا، انتُشلت جثامين أفراد العائلة ودُفنت في مقبرة الشهداء.

لكن الدفن لم يمنح ألما مكانًا ثابتًا تزور فيه أحباءها. فقد جُرفت المقبرة لاحقًا، ولم تعد تعرف مواضع قبور والديها وإخوتها. وهكذا، لم تعد زيارتها للمقبرة تقودها إلى قبر محدد؛ بل إلى البحث المتكرر عن أماكن دفنهم، ثم الانهيار حين تعجز عن التعرف عليها.

وتقول علا، عمة ألما، إن الطفلة تنهار كلما ذهبت إلى المقبرة، لأنها لم تعد تعرف أين ترقد عائلتها. فبعد أن فقدت والديها وإخوتها في القصف، لم يعد لديها مكان تقف عنده لتترحم عليهم.

وجوه غائبة

لا ينحصر أثر الفقد في المقبرة؛ إذ تستعيد ألما عائلتها في تفاصيل الحياة اليومية. عندما ترى فتاة تشبه إحدى شقيقاتها، تبكي، وحين تلمح ملامح تذكّرها بوالدتها تتخيلها أمامها، وعندما تشاهد أطفالًا يلعبون مع إخوتهم تتذكر الأيام التي كانت تجمعها بإخوتها قبل أن يختطفهم القصف.

وتقول: إنها لم تتوقع أن تفقد أسرتها دفعة واحدة وأن تنجو وحيدة من تحت الركام.

تعيش ألما مع عمتها التي تحاول مساندتها بعد فقدان أسرتها. لكن علا ترى أن الطفلة بحاجة إلى أن تكون مع جدتها أم والدها وعمها المقيمين في ألمانيا، وتناشد الجهات المعنية تسهيل سفرها إلى الخارج لتعيش بين أقاربها وتحصل على الرعاية والاستقرار.

وتؤكد العمة علا أن ألما لم يعد لها أقارب من عائلة جعرور في القطاع، وأنها تحتاج إلى الوصول إلى أهلها خارج غزة. أما الطفلة، فتتطلع إلى مغادرة المكان الذي عاشت فيه القصف وفقدت فيه والديها وإخوتها بحثًا عن حياة أكثر أمانًا بعيدًا عن أصوات الطائرات والتفجيرات.

وقد لا يعني السفر بالنسبة إلى ألما نسيان ما حدث؛ فذكريات عائلتها سترافقها أينما ذهبت، لكنها تحتاج إلى فرصة لتعيش بين أشخاص يستطيعون احتضانها ومساعدتها على مواصلة حياتها بعد هذه الخسارة.

نجت ألما من الركام، لكنها لا تزال تبحث عن قبور لا تعرف مواضعها، وعن عائلة فقدتها خلال الحرب، وعن طريق يصل بها إلى جدتها في ألمانيا. وبين مقبرة فقدت معالمها ومناشدة تنتظر الاستجابة، يبقى مطلبها أن تجد مكانًا آمنًا وأهلًا يحيطون بها بعدما فقدت كل من كانت تحتمي بهم.

اخبار ذات صلة