من الطبيعي أن يثير حضور العلم الفلسطيني في مظاهرات شهدت أعمال عنف في فرنسا وإيطاليا وألبانيا قلقًا بالغًا لدى الحريصين على القضية الفلسطينية والمؤيدين لعدالتها. إن المسألة هنا لا تتعلق بالرمز في ذاته، بل بالسياق الذي يوضع فيه؛ فالعلم في أصله راية شعب يناضل من أجل الحرية والكرامة والاستقلال، لكن اقترانه بمشاهد إحراق الممتلكات والصدام مع الشرطة يمنح خصوم القضية مادة جاهزة لتشويه صورتها الناصعة. وهو ضرر حقيقي وواقعي لا يجوز التغاضي عنه بدعوى أن الجميع يدرك المعنى النبيل لهذا الرمز.
غير أن فهم هذا الضرر لا يكتمل دون النظر إلى الطرف الآخر في المعادلة، ونقصد بذلك الممارسات الصهيونية ودورها المباشر؛ فالعلم الفلسطيني لم يبرز في الشوارع الأوروبية عبثًا، بل خرج ردًا على احتلال استيطاني وظلم مستمر. إن الصهيونية ليست طرفًا مكافئًا في مقارنة محايدة، بل هي الجذر الأساسي للعدوان الذي يُرفع العلم في وجهه، ولذلك فإن أي حديث يجرّد العلم من هذا السياق يبدو ناقصًا، وكأنه يحمل المتظاهرين مسؤولية أخلاقية تتجاهل المتسبب الأصلي في إنتاج الظلم.
ولا تقف الصهيونية عند حدود صناعة الاحتلال، بل تعدّ المستفيد الأول من تشويه صورة العلم؛ إذ تبحث أدبياتها الإعلامية باستمرار عن مشاهد الفوضى لترويج مقولة مفادها أن التضامن مع فلسطين ليس سوى تهديد أمني وشغب منظم. وهنا يتجلى دورها المزدوج؛ فهي التي صنعت الاحتلال الذي جعل العلم رمزًا للتحرر، وهي التي تسارع إلى استغلال إقحامه في الأحداث العنيفة لإفراغه من مضمونه الأخلاقي، وإغفال هذا البعد يجعل أي نقاش حول الضرر مبتورًا؛ لأنه يغفل من ينتج الظلم ومن يستثمره.
*وينطوي ربط العلم بالعنف على أضرار بالغة، أولها منح الحكومات والجماعات المناهضة ذريعة لخلط الأوراق؛ فبدلًا من أن يتركز النقاش حول الاحتلال ومعاناة المدنيين، يتحول الحديث إلى الشغب وتخريب الممتلكات وتهديد النظام العام*. وفي هذا المناخ، يفقد الفلسطينيون تضامنًا شعبيًا كان يمكن أن يكتسب مزيدًا من المساحة؛ لأن الرأي العام الغربي يتأثر بالصورة المباشرة أكثر من تأثره بالتحليل العميق، وقد يستغل السياسيون هذه المشاهد لتجريم مظاهر التضامن وتقييد الاحتجاجات السلمية.
أما الضرر الثاني، فيكمن في أن رفع العلم في كل احتجاج عنيف، حتى لو كان يعود إلى قضايا معيشية أو سياسات داخلية لهذه الدول، يفرغ الرمز من خصوصيته الكفاحية؛ فالعلم الفلسطيني ليس شعارًا للفوضى، بل رمز لقضية تحرر وطني ذات إرث إنساني وتاريخي محدد، وعندما يظهر في كل مشهد صاخب، يفقد جزءًا من دلالته السامية، ويتحول لدى البعض إلى مجرد شعار احتجاجي عابر لا يخدم القضية في شيء، بل يسهّل على الخصوم اختزاله في مشاهد الشغب.
ورغم هذه المخاطر، فإن رمزية العلم لم تُهزم، ولا يزال الوعي الإنساني قادرًا على التمييز بين الرمز الأصيل والتصرفات الفردية؛ إذ يدرك الكثيرون أن رفع العلم لا يعني بالضرورة تأييد العنف، كما ينشأ وعي متزايد بأن الحملات التي تضخّم هذه المشاهد تهدف بالأساس إلى إسكات الصوت المتضامن. ويبقى العلم قادرًا على استعادة ألقه وقوته كلما اقترن بخطاب سلمي واضح يطالب بالحقوق المشروعة ويفرّق بين التضامن العادل وبين استغلال القضايا لإحداث الفوضى.
وختامًا، يتضح أن *المشكلة ليست في العلم ذاته، بل في سياق رفعه وممارسات من يحمله، إلى جانب السعي الصهيوني المستمر لاستغلال التشويه وتفريغ الرمز من محتواه*؛ لذا فإن حماية هذه الرمزية تصبح مسؤولية جماعية تقع على عاتق المتضامنين الحقيقيين من خلال فصل الرمز عن العنف والتمسك بالرسالة السلمية، كما تقع على عاتق النقاش العام الذي يجب ألا يفصل بين العلم وسبب وجوده الأول المتمثل في الاحتلال، ليبقى العلم الفلسطيني راية خفاقة ضد القمع والاضطهاد، وعصية على محاولات التشويه.