الموت يصاحب الغزيين، فهو ملازم لهم ويلاحقهم في كل مكان وزمان، فالاحتلال الإسرائيلي يواصل حرب الإبادة والتطهير العرقي والقتل بالجملة، ويمنع وصول أدوات النجاة، ومطرقة سندان الطائرات الحربية تخطف العشرات بمجازر بشعة، وأشلاء ممزقة نحو المنون في (سباق الموت)؛ فالموت بالجملة بغزة. نعم، يستيقظ أهلها كل صباح على مجزرة جديدة وفاجعة هنا وهناك، وأرواح تصعد لبارئها من خلال استمرار الاستهدافات الإسرائيلية بالصواريخ الاستطلاعية والحربية بين خيام النازحين، أو عبر الوفاة نتيجة الجوع والبرد القارس لفئتي الأطفال والشيخوخة، أو نقص في الأدوية المضادة للفيروسات اللازمة للمرضى، أو الوفاة بالقهر والذل نتيجة المعاناة المؤلمة التي يعيشها شعب غزة إثر الحرب، إضافة إلى المنخفضات الجوية والرياح الشديدة التي تفتك بالنازحين في الخيام المهترئة والممزقة نتيجة عدم إدخال الاحتلال المساعدات الإيوائية.
غزة قدمت ما لديها، وتصارع الموت اليومي في ظل ما يُدعى كذبة الهدنة وشلال الدم اليومي الذي أسموه سلامًا على أشلاء الشهداء وسط الدمار والركام، والآن تنتظر مرحلة التعافي وإعادة الإعمار أو رعاية حماية المدنيين، بعد قضاء ثلاث سنوات على حرب الإبادة الجماعية التي لم تنتهِ آثارها بعد أكذوبة وقف إطلاق النار ووقف القتال الواسع. لم تنتهِ المعاناة اليومية، بل تتفاقم الأزمات على السكان في غزة الذين يعيشون في حالة صعبة، فالقتل والاغتيال والدم متواصل يوميًا، كما وصفت بعض الشهادات، ولا تزال تداعيات السابع من أكتوبر حاضرة أمنيًا ونفسيًا وسياسيًا على الفلسطينيين. وهنا يتضح أن الاحتلال يريد هدوءًا تامًا دون ظهور أي أعمال عسكرية من غزة، بمعنى تجريد غزة من السلاح، حتى وصل الأمر إلى وصف الحبال والطائرة الورقية التي يلعب بها الأطفال بأنها سلاح. وفي المقابل، فصائل غزة قدمت تسهيلات وتنازلات من أجل عيش شعبنا بكرامة والبقاء على أرضه دون تهجير ونزوح جديد، مع الحفاظ على ثبات وصمود أيقونة الرباط في غزة، بغض النظر عن المساحة المتبقية، ولكن الاحتلال والوسطاء الضامنين والمجتمع الدولي الصامت ومجلس السلام وغيرهم لا يكادون يميزون بين الصواب والخطأ، والمجرم والضحية. ورغم أن غزة أُبيد فيها الحجر والشجر قبل البشر، إلا أنها ما زالت تعاني وتتألم دون إنقاذ أو إعمار، بينما ارتقى الأطفال والنساء والمسنون ليشهدوا على أنفسهم أبرياء أمام الخذلان.
الحرب لم تتوقف إلا في عقول العالم! أما على الأرض، فالإبادة مستمرة، والواقع مؤلم ومرير، ففي غزة كل شيء مستهدف! والجميع بنظر الاحتلال (هدف).
في غزة، الموت ضيف ثقيل، والنجاة أمر فريد، لكنه محمّل بأوجاع لا تغادر المدنيين والأبرياء كـ«الناجين»، بل تظل ملازمة لهم حتى يلتحقوا بالشهداء الأبرار.
في غزة، لم يعد الموت خبرًا نسمعه من بعيد، بل صار الموت مكالمة قد تصلك في أي لحظة، وصوتًا على الطرف الآخر يخبرك أن أمامك دقائق فقط لإخلاء بيتك أو وداع من تحب. هذه ليست قصة منسوجة من الخيال، ولا مشهدًا من فيلم، هذه حكاية حقيقية من غزة، حيث أصبح الإنسان ينتظر دوره في قائمة الموت المتوقع في أي وقت ومكان!
الوضع في غزة كارثي ومروّع إنسانيًا، والوفيات المدنية مرتفعة جدًا منذ أكتوبر 2023، هذا واقع لا يمكن إنكاره، لكن وصف ما يحدث بأنه «تطهير عرقي» أو «إبادة شعب ثائر من أجل الحرية» هو توصيف قانوني وسياسي مثير للجدل، وليس حقيقة متفقًا عليها.
فالموت والمعاناة في غزة حقيقيان ومستمران، والنزوح والدمار هائلان بقدر لا يوصف. هذا يستحق الإدانة والضغط لوقف إطلاق نار حقيقي وحماية المدنيين، لكن تحويل المعاناة إلى سردية أحادية الجانب عن «إبادة شعب ثائر من أجل الحرية» يتجاهل مسؤولية الوسطاء والضامنين ومجلس السلام والإدارة الأمريكية عن استمرار الحرب الحالية، ومواصلة الانتهاكات العدوانية بحق الغزيين والمدنيين. الحل الحقيقي يتطلب إنهاء الحرب، ووقف العدوان، وبدء الإعمار وفتح المعابر، والعيش بسلام وحرية، وليس شعارات مطلقة. فالمعاناة الإنسانية في غزة حقيقية وشديدة، والموت يطال المدنيين يوميًا تقريبًا حتى بعد عام من إعلان «وقف إطلاق النار». هذا الواقع يعكس فشلًا مستمرًا في حماية المدنيين من الجانبين، واستمرار الصراع بدلًا من حل سياسي حقيقي.
📍 الوضع في قطاع غزة ما زال كارثيًا على المستوى الإنساني، ونسبة الشهداء تزداد وترتفع رغم إعلان وقف إطلاق نار قبل نحو عام أو أكثر، ووفقًا لوزارة الصحة في غزة، والتي تعتمد عليها الأمم المتحدة في نقل الأرقام: إجمالي الشهداء منذ 7 أكتوبر 2023: حوالي 74,480، والجرحى: حوالي 175,539، ومن بين الشهداء نسبة كبيرة من الأطفال والنساء (تقديرات الوزارة تشير إلى أكثر من 20 ألف طفل و12 ألف امرأة تقريبًا). كذلك، منذ إعلان وقف إطلاق النار بتاريخ (11 أكتوبر 2025)، رُصد أكثر من 1,500 شهيد و5,400 جريح إضافي، حسب التقارير الأخيرة لوزارة الصحة بغزة. هذه الأرقام تشمل ارتقاء الشهداء المدنيين الأبرياء وحالات الاستهداف والقتل المباشرة من الغارات والقصف وإطلاق النار، وهناك أعداد إضافية تحت الأنقاض لم تُستخرج جثامينها بعد بسبب صعوبة الوصول. وهناك منظمات إنسانية وحقوقية (مثل منظمة العفو الدولية ومئات المنظمات الأخرى) وصفت وقف إطلاق النار بأنه هش؛ أي «موجود بالاسم فقط»، مشيرة إلى استمرار القتل والإصابات اليومية، وانهيار شبه كامل للنظام الصحي، ونقص حاد في المأوى والغذاء، بينما، في السياق الأوسع، كانت آلة الحرب الإسرائيلية قد أدت إلى دمار واسع النطاق في غزة، وتدمير أو تضرر معظم المباني السكنية، ونزوح غالبية السكان (أكثر من مليوني شخص في منطقة ضيقة جدًا)، وانهيار الخدمات الأساسية منذ السابع من أكتوبر 2023. وحتى بعد وقف إطلاق النار الهش، استمرت الغارات والقصف من الجانب الإسرائيلي (الذي يقول إنه يستهدف مسلحي حماس وانتهاكات للاتفاق).
الوضع الإنساني: نقص في الأدوية، وخطر الفيضانات على مخيمات النازحين مع اقتراب الشتاء، وجوع واسع النطاق، ومبانٍ غير آمنة يسكنها عشرات الآلاف. الأمم المتحدة (أوتشا) توثق استمرار الإصابات والنزوح وقيودًا على المساعدات، كما أن نسبة الوفيات لا تقتصر على عدد الشهداء المدنيين نتيجة القصف المباشر فقط؛ فالجوع والأمراض وانهيار البنية التحتية ساهمت أيضًا في زيادة نسبة الوفيات غير المباشرة، رغم صعوبة قياسها بدقة.
📍 حذرت منظمة «أوكسفام أميركا» من عواقب «أوامر الإخلاء» التي أصدرها جيش الاحتلال الإسرائيلي لسكان مدينة غزة والنزوح جنوبًا، مؤكدة أن الغزيين يعانون ظروفًا لا يمكن تخيلها على مدى عامين، كما جاء ذلك على لسان مستشار السياسات الإنسانية في «أوكسفام أميركا»، جيمس هوبلر، مؤكدًا أن الاحتلال أصدر أوامر إخلاء متضاربة للناس. ووفق هوبلر، فإن الغزيين واجهوا أوامر الإخلاء مرارًا وتكرارًا خلال الحرب الحالية، مشيرًا إلى أن كثيرين نزحوا أكثر من 10 مرات إلى أماكن لا يوجد فيها مراكز رعاية صحية وخدمات بعد تضررها بشكل كبير. ولفت إلى أن السكان باتوا مخيرين بين الموت إذا فضلوا البقاء في أماكنهم، أو إمكانية الموت إذا نزحوا جنوبًا إلى أماكن تخلو من أي خدمات. وفي كلتا الحالتين، الموت يلاحقهم، ووصف هوبلر الوضع في غزة بأنه مستحيل، ويعتبر «كارثة من صنع البشر» نتيجة الظروف التي أوجدتها الحرب وطرق الاستهداف والاشتباك وتعريض المدنيين بشكل مقصود، إضافة إلى التجويع الجماعي الذي وصفه بأنه إجراء عقابي. وقال هوبلر إن الغزيين يعانون ظروفًا لا يمكن تخيلها على مدى أعوام الحرب، إذ ليس هناك وقت يمكن أن يتحمله هؤلاء الناس في ظل أوضاع مروعة جدًا، وسوء تغذية حاد، خاصة بين الأطفال الأكثر هشاشة. وعلى صعيد ردود الفعل، انتقد صمت المجتمع الدولي، وقال إنه يقف موقف المتفرج في حين يتم بث الحرب على الهواء مباشرة تقريبًا، مؤكدًا أنه لم يفعل شيئًا لإنقاذ الناس. وشدد على ضرورة وقف إطلاق النار بشكل كامل، وتمكين الوصول الإنساني دون أي انقطاع، مع ضرورة بذل كل الجهود الممكنة فورًا لإعادة الوضع إلى ما كان عليه سابقًا.