لم تعد سلة الخضراوات والفواكه في أسواق الضهرة ومواصي خان يونس جنوبي قطاع غزة، كما كانت قبل أيام، بعدما شحّت أصناف أساسية ونفدت أخرى، في حين قفزت أسعار المنتجات المتبقية إلى مستويات قياسية، وسط إغلاق الاحتلال المعابر وتعمد عدم إدخال كميات جديدة من البضائع، ما دفع العائلات إلى تقليص مشترياتها أو العودة من الأسواق دون تأمين احتياجاتها الغذائية.
وفي وجود هذا التراجع الحاد في المعروض، باتت أصناف مثل البندورة والكوسا والفليفلة والموز والتفاح محدودة التوفر أو غائبة عن بعض الأسواق، في حين ارتفعت أسعار الخضراوات المتبقية، وفي مقدمتها البصل، إلى مستويات تفوق قدرة كثير من المواطنين، الذين يواجهون أوضاعاً معيشية صعبة بفعل حرب الإبادة والنزوح القسري وفقدان مصادر الدخل.
وتتزامن هذه الأزمة مع ارتفاع أسعار الطحين وشح المواد الغذائية الأساسية، ما يثير مخاوف السكان من تفاقم انعدام الأمن الغذائي وعودة مشاهد التجويع، في وقت تتقلص الخيارات المتاحة أمام الأسر لتوفير وجباتها اليومية.
بضائع غائبة وأسعار قياسية
ويقول رمزي الصباحين، الذي يعمل بائعاً للخضراوات والفواكه منذ 20 عاماً، إن السوق شهد تراجعاً كبيراً في أصناف البضائع المتوفرة، موضحاً أن المعروض حالياً يقتصر على كميات قليلة من الفلفل والباذنجان والخيار البلدي، في حين غابت أصناف أخرى أو أصبحت نادرة.
ويضيف الصباحين لصحيفة "فلسطين" أن الموز والتفاح والبندورة والكوسا والفليفلة لم تعد متوفرة بالكميات المعتادة، مشيراً إلى أن البصل أصبح باهظ الثمن وشحيحاً في الأسواق، في ظل صعوبة جلب بضائع جديدة مع إغلاق المعابر.
ويؤكد أن ارتفاع الأسعار لا ينفصل عن نقص السلع، محذراً من أن استمرار الأزمة قد يؤدي إلى مزيد من الغلاء، خصوصاً إذا تواصل تعذر إدخال المنتجات الغذائية إلى القطاع.
وبالنسبة إلى الباعة، لا تقتصر المشكلة على ارتفاع تكلفة البضائع، بل تمتد إلى صعوبة توفير أصناف جديدة والحفاظ على حركة البيع في سوق أنهكتها الظروف الاقتصادية. أما المواطنون، فيواجهون معادلة أكثر قسوة: سلع أقل وأسعار أعلى ودخل لا يكفي لتلبية الاحتياجات الأساسية.
البصل بـ60 شيكلاً والباذنجان بـ7
ويقول البائع محمد سلامة (42 عاماً)، إن ارتفاع الأسعار جعل شراء الخضراوات والفواكه عبئاً لا تستطيع كثير من الأسر تحمله، لافتاً إلى أن بعض المواطنين يضطرون إلى مغادرة السوق دون شراء ما يحتاجون إليه، بعدما يفاجؤون بالأسعار المعروضة.
ويوضح سلامة لـ"فلسطين" أن سعر كيلو الباذنجان وصل إلى سبعة شواكل، بعدما كان يباع بخمسة شواكل في ساعات مساء اليوم الفائت، فيما بلغ سعر كيلو البصل، نحو 60 شيكلاً، في ارتفاع يعكس حجم الأزمة التي أصابت الأسواق.
ويشير إلى أن أسعار البندورة والفواكه، ومنها التفاح والموز والمانجا، شهدت بدورها ارتفاعاً كبيراً، بعدما كانت بعض هذه الأصناف متاحة بأسعار أقل خلال الفترة السابقة.
ويربط سلامة الارتفاع الحاد في أسعار عدد من السلع بإغلاق المعبر منذ نحو أسبوع، موضحاً أن توقف إدخال البضائع يفاقم نقص المعروض ويزيد الأعباء على المواطنين، الذين يجدون صعوبة متزايدة في تأمين الغذاء لأطفالهم.
وتكشف هذه الشهادات عن اضطراب واسع في أسعار المواد الغذائية، وإن كانت الأسعار تختلف بحسب توقيت الشراء ومكان البيع ومدى توفر كل صنف.
ويؤكد هذا التفاوت ضرورة التعامل بحذر مع الأسعار المعلنة، من دون أن يقلل ذلك من حجم المعاناة التي يصفها المتسوقون والباعة.
من شراء الكميات إلى الاكتفاء بحبة أو حبتين
وتستعيد المسنة عزيزة محارب (61 عاماً)، صورة الأسواق قبل إغلاق المعبر، حين كانت الخضراوات متوفرة بكميات كبيرة، وكانت أسعار البندورة والبطاطا والبصل والليمون والخيار في متناول المواطنين، الذين اعتادوا شراء احتياجاتهم اليومية دون الاضطرار إلى حساب تكلفة كل صنف بهذه الدقة.
لكن المشهد، وفق محارب، تغير مع شح البضائع ونفاد أصناف من الأسواق، إذ بات المواطنون يشترون كميات ضئيلة لا تتجاوز حبة أو حبتين من بعض الخضراوات، بعدما أصبحت الأسعار المرتفعة تحول دون شراء احتياجات الأسرة كاملة.
وتعكس هذه الصورة تغيراً في أنماط الاستهلاك داخل القطاع؛ فبدلاً من شراء سلة متنوعة من المنتجات، باتت الأسر تحاول تدبير ما تستطيع شراءه بما يتوفر لديها من أموال، حتى لو جاء ذلك على حساب تنوع وجباتها اليومية.
وتزداد وطأة الأزمة على الأسر التي تضم أطفالاً، في ظل تزامن غلاء الخضروات والفواكه مع نقص الطحين وارتفاع أسعار المواد الأساسية، ما يجعل توفير الغذاء اليومي تحدياً متجدداً أمام العائلات محدودة الدخل.
مطالب بفتح المعابر
وأمام هذا الواقع، تناشد محارب عبر "فلسطين" الوسطاء بالضغط على الاحتلال وإجباره على السماح بإدخال البضائع والاحتياجات الأساسية، لتخفيف الأعباء المعيشية عن السكان ومنع تفاقم الأزمة.
ويحذر الباعة والسكان من أن استمرار نقص السلع قد يؤدي إلى مزيد من الارتفاع في الأسعار، ويقلص قدرة الأسر على توفير غذائها، خصوصاً مع تراجع مصادر الدخل واستمرار تداعيات حرب الإبادة على الحياة الاقتصادية.
وبين أصناف غابت عن البسطات وأخرى باتت أسعارها بعيدة عن متناول كثيرين، تتجاوز أزمة أسواق الضهرة ومواصي خان يونس مجرد نقص الخضروات والفواكه، لتضع الأمن الغذائي للأسر أمام اختبار يومي.
ويطالب السكان بتسهيل إدخال السلع وزيادة المعروض ومراقبة الأسعار، أملاً في استعادة القدرة على شراء الاحتياجات الأساسية دون أن تتحول وجبة الطعام إلى عبء يفوق إمكاناتهم.